فهرس الكتاب

الصفحة 90 من 297

يَصِفْها واحد منهم بما وصفها به جابر رضي الله عنه، وهذا يؤكد أنه انفرد عن بقية الرواة بوصف وجهها، مما يقوي احتمال انحسار غطائه من غير قصد منها، ورؤيته إياه أثناء ذلك.

كما لم يذكر أيُّ راوٍ منهم كشفًا لوجهِ أيِّ امرأة ممن حضر تلك الخُطبة رغم كثرتهن؛ لهذا قال الإمام النووي رحمه الله تعالى عند شرحه لرواية عبد الله بن عباس رضي الله عنهما: «لا يَدري حينئذٍ من هي» ، معناه: لكثرة النساء، واشتمالهن ثيابهن لا يَدري من هي» [1] اهـ.

4 ــ ويجاب عن حديث الواهبة نفسها للنبي ^ بما يلي:

أ ــ ليس في هذا الحديث حجة للقائلين بجواز كشف الوجه، لأنه لا يلزم من قول الراوي: «صعَّد النظر إليها» أنها كانت كاشفة الوجه. قال الحافظ ابن حجر: «فصعَّد النظر إليها وصوَّبه» وهو بتشديد العين من: «صعَّد» ، والواو من «صوَّب» .

والمراد: أنه نظر أعلاها وأسفلها.

والتشديد: إما للمبالغة في التأمل، وإما للتكرير، وبالثاني جزم القرطبي في «المفهم» ، قال: أي نظر أعلاها وأسفلها مرارًا.

ووقع في رواية الفضيل بن سليمان: «فخفَّض فيها البصر ورفَّعه» ، وهما بالتشديد أيضًا» [2] اهـ.

قلت: فلما كان «التصويب» النظر إلى أسفلها، لزم منه أن يكون قطعًا إلى مستور، لأن سُوقَ النساء الحرائر عورة بإجماع المسلمين، فكذلك «التصعيد» مثله لابدَّ وأن يكون إلى مستور أيضًا استصحابًا للحال، خاصة وأن ستر الوجه كان عمل الأمة منذ نزول آيات الحجاب.

وقد ذكر الحافظ ابن حجر في فتح الباري: ( ... استمرار العمل على جواز خروج النساء إلى المساجد والأسواق والأسفار منتقبات، لئلا يراهن الرجال) .

ونَقلَ أيضًا عن الغزالي أنه قال: «لم يزل الرجال على ممر الزمان مكشوفي الوجوه، والنساء يخرجن منتقبات» [3] اهـ.

فمن ادَّعى كشف وجه المرأة الواهبة نفسها أَعْوزَه هذا الادِّعاء إلى الدليل الناطق بذلك، ودونه خرط القتاد؛ أو يلزمه ــ حينئذ ــ القول بأن أسفلها كان مكشوفًا كأعلاها، ولا قائل به. ولمَّا كان الأمر على هذا، فكيف أجاز أولئك التفريقَ بين متلازمَين ــ أعني بهما: التصويب والتصعيد ــ مع أنهما في حديث واحد؟!!

ولمَّا كان مجيزو كشف الوجه يقولون بستر أسفلها، فإنه يلزمهم ــ أيضًا ــ القول بستر أعلاها ــ أي وجهها ــ، وبالتالي: لم يبقَ لهم في هذا الحديث حجة، لأن اللغة تشهد أن منطوقه ومفهومه خارجان عن دائرة النزاع.

(1) شرح النووي على صحيح مسلم (6/ 172) .

(2) فتح الباري (9/ 206) .

(3) فتح الباري (9/ 337) ، ومثله في إرشاد الساري (8/ 117 ــــ 118) ، وتحفة الأحوذي شرح سنن الترمذي (8/ 62 ــــ 63) ، وانظر هذا النص في مصدره الأصلي: «إحياء علوم الدين» (2/ 47) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت