فهرس الكتاب

الصفحة 89 من 297

وإن ظاهر القرآن والسنة وآثار الصحابة والتابعين تؤيدها، فليعتمد عليها، ويستأنس بها» [1] اهـ.

فقد ظهر من هذا التحقيق ضعف ونكارة ما ينسب إلى ابن عباس رضي الله تعالى عنهما من تفسيره {إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا} [النور: 31] بالكحل والخاتم، أي موضعهما، وهو الوجه والكفان، سواء بسند الإمام ابن جرير الطبري، أو بسند الإمام البيهقي، هذا بالإضافة إلى الأسانيد الأخرىٍ التي هي في درجتها من الضعف والنكارة.

كما ثبت في المقابل صحة أثر ابن مسعود الذي فسر {مَا ظَهَرَ مِنْهَا} بالثياب، لا الوجه والكفين؛ وكذا الرواية التي وردت برجال ثقات عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس نفسه التي تخالف روايته الضعيفة الأولى بل المنكرة التي لم يعد هناك مستند صحيح للاعتماد عليها بعد بيان ضعفها ونكارتها. فلزم المصير إلى روايته الأخرى التي لا تخرج عن رواية ابن مسعود ومن وافقه، رضي الله تعالى عنهم أجمعين.

3 ــ وأما ما رواه جابر: «فقامت امرأة من سِطَةِ النساء، سفعاء الخدين» ...

فقد أجاب بعضهم بأن الحادثة وقعت قبل أن يفرض الحجاب، وبالتالي لا حجة فيها على جواز كشف الوجه. والدليل على ذلك: أن صلاة العيد شرعت في السنة الثانية من الهجرة، وآية الحجاب من سورة الأحزاب نزلت ــ كما ذكر الحافظ ابن حجر ــ عن أبي عَبِيدة وطائفة في ذي القعدة سنة ثلاث، وعند آخرين: فيها سنة أربع وصححه الدمياطي، وقيل: بل كان فيها سنة خمس [2] ... .

قلت: ولو صحَّ أنها وقعت بعد أن فُرِض الحجاب فلا ضير عليها في ذلك لأنها في مجلس علم مع المعصوم ^. يضاف إلى ذلك أن الحافظ ابن حجر وآخرين قد ذكَروا: أن النبي ^ لا يَحرُمُ عليه النظر إلى المؤمنات الأجنبيات لمحل العصمة، بخلاف غيره [3] ... .

وقال أيضًا: والذي وضح لنا بالأدلة القوية أَنَّ من خصائص النبي ^ الخلوة بالأجنبية، والنظر إليها [4] .

ويُحتمل أن تكون عجوزًا لا تُخشى الفتنة من كشف وجهها لكونها ممن لا يرجون نكاحًا؛ ولو فرضنا أنها كانت شابة ففيها من سَفع خديها ما يرجح عدم رغبة الرجال فيها، مما يجعلها في حكم القواعد من النساء.

ويُحتمل ــ أيضًا ــ أن يكون جلبابها انحسر عن وجهها من غير قصد منها، فَروَى جابر ما رآه منها في تلك الحالة. يدل على ذلك أن سبعة من أجلاء الصحابة رَوَوا ذلك الحديث، ولم

(1) عودة الحجاب (3/ 266) نقلًا عن: رسالة الحجاب في الكتاب والسنة (ص / 21 ــــ 26) .

(2) انظر: فتح الباري (8/ 462) .

(3) انظر: فتح الباري (9/ 210) ، وسبل السلام (3/ 112) ، وفتح العلام (2/ 90) .

(4) انظر: فتح الباري (9/ 203) ، ونقله الشوكاني في نيل الأوطار (6/ 189 (طبع دار التراث، لكنه قال: والذي صحَّ لنا .. وانظر ­ إن شئت ­ الخصائص الكبرى (2/ 247 ­ 248 (للسيوطي باب: اختصاصه ^ بإباحة النظر إلى الأجنبيات والخلوة بهن.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت