لهذا قال الجصَّاص: «في هذه الآية دلالة على أن المرأة الشابة مأمورة بستر وجهها عن الأجنبيين، وإظهار العفاف عند الخروج، لئلا يطمع أهل الرِّيَبِ فيهن» [1] ... .
وقال شيخ المفسرين ابن جرير الطبري ــ رحمه الله تعالى ــ في تفسيرها أيضًا: «يقول تعالى ذكره لنبيه محمد ^: يا أيها النبي قل لأزواجك وبناتك ونساء المؤمنين، لا تتشبهْنَ بالإماء في لباسهن إذا هنَّ خَرجْنَ من بيوتهنَّ لحاجتهنّ فكشفْنَ شعورهنّ ووجوههنّ، ولكن ليدنين عليهن من جلابيبهن لئلا يعرِضَ لهنَّ فاسق ــ إذا عَلِمَ أنهنَّ حرائر ــ بأذًى من قول» [2] اهـ ... .
ويؤكد هذا المعنى قول السيدة عائشة رضي الله عنها:
«يرحم الله نساء المهاجرات الأُوَل، لما أنزل الله: {وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ} [النور: 31] شققْنَ مروطهنَّ فاختمرنَ بها» [3] ... .
قال الحافظ ابن حجر: «قوله: «فاختمرن» أي: غطينَ وجوههن.
وصِفَةُ ذلك: أن تضع الخمار على رأسها، وترميه من الجانب الأيمن على العاتق الأيسر، وهو التقنُّع. قال الفَرَّاء: كانوا في الجاهلية تُسدل المرأة خمارها من ورائها، وتكشف ما قُدَّامها، فأُمِرنَ بالاستتار» [4] اهـ.
وقال أيضًا في كتاب الأشربة: «ومنه خمار المرأة لأنه يستر وجهها» [5] اهـ.
كما يؤكد هذا المعنى أيضًا ما رواه ابن أبي حاتم من حديث صفية قالت: «ذكرنا عند عائشة نساءَ قريش وفضلهن، فقالت: إن نساء قريش لفضلاء، ولكني والله ما رأيت أفضل من نساء الأنصار أشدَّ تصديقًا لكتاب الله، ولا إيمانًا بالتنزيل. لقد أنزلت سورة النور: {وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ} [النور: 31] فانقلب رجالهن إليهن يتلون عليهن ما أنزل الله فيها،
(1) أحكام القرآن (3/ 458) .
(2) تفسير ابن جرير (22/ 33) .
(3) أخرجه البخاري (8/ 489 (فتح الباري، وأبو داود(6/ 57) مختصر السنن بنحوه، وابن جرير (18/ 94) ، والحاكم (2/ 397 و 4/ 194) وقال: «هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه» . وقد سَهَا في استدراكه هذا الحديث على البخاري، والبيهقي (2/ 234) . وعزاه السيوطي في الدر المنثور (5/ 42) ــــ أيضًا ــــ إلى النسائي وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن مردويه، والبيهقي في سننه عن عائشة رضي الله عنها.
(4) فتح الباري (8/ 490) .
(5) فتح الباري (10/ 48) .