فقد استدل هذا الفريق بهذا الحديث على أن سترَ وجهِ المرأة ليس فرضًا عليها؛ حيث لم يأمر النبي ^ المرأة الخثعمية بستره، بل اكتفى بتحويل وجه الفضل عنها.
قال ابن بطال: «في الحديث الأمر بغض البصر خشية الفتنة. ومقتضاه أنه إذا أُمنتِ الفتنة لم يمتنع ..
ويؤيده أنه ^ لم يُحوّلْ وجه الفضل حتى أَدْمَنَ النظر إليها لإعجابه بها، فخشي الفتنة عليه ..
وفيه دليل على أن نساء المؤمنين ليس عليهن من الحجاب ما يلزم أزواج النبي ^، إذ لو لزم ذلك جميع النساء لَأمَرَ النبي ^ الخثعمية بالاستتار ولما صَرَف وجه الفضل ..
وفيه دليل على أن ستر المرأة وجهها ليس فرضًا، لإجماعهم على أن للمرأة أن تبدي وجهها في الصلاة ولو رآه الغرباء» [1] اهـ.
5 ــ وعن عائشة رضي الله عنها أن أسماء بنت أبي بكر دخلت على رسول الله ^ وعليها ثياب رِقاق، فأعرض عنها رسول الله ^، وقال: «يا أسماء، إن المرأة إذا بلغت المحيض لم يصلح أن يُرى منها إلا هذا وهذا، وأشار إلى وجهه وكفيه» [2] ... .
فهذا نص واضح ــ لو صحَّ الحديث ــ على جواز إظهار المرأة وجهها وكفيها.
أما نظر الرجال إليهما فسيأتي الكلام عليه فيما بعد إن شاء الله تعالى.
لكنْ لا يذهبنَّ عليك أن القائلين بجواز كشف المرأة وجهها وكفيها اشترطوا أن لا يكون عليهما شيء من الزينة، لأنه لا يحل إظهارها للأجانب عند جميع الأئمة، لأنها من الزينة الباطنة.
وسيأتي الكلام على ذلك مفصلًا إن شاء الله تعالى ..
? القائلون بوجوب ستر الوجه:
وذهب الحنابلة، وأكثر الشافعية في القول الراجح عندهم، والمتأخرون من الحنفية والمالكية إلى وجوب ستر الوجه؛ واستدلوا على ما ذهبوا إليه بالأدلة التالية:
1 ــ فقد فسَّرَ بعض السلف: كابن مسعود، والحسن، وابن سيرين، وأبي الجوزاء، وإحدى الروايتين عن إبراهيم النخعي، وغيرهم، قولَه تعالى: {إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا} [النور:31] بالرداء والثياب، وما يبدو من أسافل الثياب (أي أطراف الأعضاء) وما قد يبدو معها كالخاتم ونحوه [3] ، فإن في إخفاء ذلك من الحرج ما لا يخفى، فبقي الوجه والكفان داخلين في
(1) فتح الباري (11/ 10) .
(2) أخرجه أبو داود (11/ 161 ــــ 162) مع عون المعبود، وقال: «هذا مرسل، خالد بن دُرَيك لم يدرك عائشة» . وعزا ابن كثير في تفسيره (3/ 283 (نحو هذا ــــ أيضًا ــــ إلى أبي حاتم الرازي. كما أخرجه البيهقي(2/ 226) . وقال الحافظ ابن حجر في الدراية (1/ 123) : وأخرجه ابن عديّ، وقال: رواه خالد مرة أخرى، فقال: عن أم سلمة وعن قتادة مرفوعًا: «إن المرأة إذا حاضت لم يصلح أن يُرى منها إلا وجهها ويداها إلى المفصل» . وهذا معضل، أخرجه أبو داود في المراسيل.
(3) انظر تفسير ابن جرير (18/ 92 ــــ 93) ، وتفسير ابن كثير (3/ 283) .