فعن عبد الله بن عمر رضي الله عنه قال: قال رسول الله ^: «من جرَّ ثوبه خُيلَاء لم ينظر الله إليه يوم القيامة، فقالت أم سلمة: فكيف يصنَعْنَ النساءُ بذيولهن؟ قال: يُرخينَ شبرًا، فقالت: إذًا تنكشف أقدامهن قال: فَيُرخينه ذراعًا لا يزِدْنَ عليه» [1] ... .
قال الحافظ البيهقي: «وفي هذا دليل على وجوب ستر قدميها» [2] اهـ.
فانظر كيف أمر الشارع الحكيم النساء المسلمات بستر أقدامهن عن الرجال الأجانب، وزادهنَّ حيطة في ذلك، حيث رخَّصَ لهن بإسبال ذيولهن شبرًا، بل ذراعًا، حتى لا يُرى من أقدامهن شيء.
فهل يُعقَل أن يأمر كل هذا الأمر، ويحتاط كل هذه الحيطة بستر القدمين ــ وليس فيهما من الفتنة ما في الوجه ــ ثم يبيح كشف الوجه الذي هو مصباح البدن، ومحور الجاذبية، ومنطلق التعلق بالمرأة أو الإعراض عنها؟!!
إنه لا يُعقل أن يُحرِّم كشف القدم منها، ويبيحَ كشف الوجه الذي هو موضع الفتنة والتعلق، ولو فعل هذا كان تناقضًا، هذا لو صحّ، وحاشا أن يكون الشرع متناقضًا.
* ولا نرتاب في أن بعض السلف الذين فسَّروا: {مَا ظَهَرَ مِنْهَا} بالوجه والكفين يشترطون مع ذلك أَمنَ الفتنة إن صحَّت تلك النسبة إليهم، وقد تقدم عدم صحتها عنهم. وإلّا فهل يجيز واحد منهم لامرأة كشف وجهها في مثل هذا الزمان أمام الرجال وفيهم الفَسَقةُ لصوص الأعراض الذين يتشببون بمحاسن النساء، ويذرعون الطرقات بحثًا عنهن، والفتنة في هذا غالبة إن لم نقل متحققة؟
نعم تكشف المرأة وجهها عند الإحرام بالحج للنسك والعبادة إن لم تكن في حضرة الرجال الأجانب، وعند أداء الصلاة إن لم تكن بمرأى أحد منهم أيضًا، وعند قيام ضرورة شرعية، أو حاجة معتبرة تدعو إلى ذلك: كخاطب يريد نكاحها، وشاهد يشهد عليها أوْ لها، وقاضٍ يحكم عليها وطبيب يريد مداواتها فينظر إلى موضع عِلَّتها إن لم تجد طبيبة تداويها [3] .
(1) أخرجه أحمد (2/ 5 و 55) ، والنسائي (8/ 209) ، والترمذي (6/ 55) واللفظ له، وأبو عوانة (5/ 482) ، والبيهقي (2/ 233) كلهم من طريق أيوب، عن نافع، عن ابن عمر، وقال الترمذي: «هذا حديث حسن صحيح « ... .
وأخرجه ــــ بنحوه ــــ أحمد (6/ 293 و 295 و 296) ، وأبو داود (11/ 175 (عون المعبود، والنسائي(8/ 209) ، وابن ماجه (2/ 1185) ، والدارمي (2/ 279) ، ومالك في الموطأ (2/ 915) ، وابن حبان (موارد الظمآن رقم 1451، ص / 350 (من طرق أخرى عن أم سلمة، أسانيد بعضها صحيحة.
وأخرج العبارة الأولى منه بنحوها إلى قوله: «يوم القيامة» البخاري (7/ 183) ، ومسلم ... (6/ 147) ، لهذا أخَّرنا عزوه إليهما ..
(2) سنن البيهقي (2/ 233) .
(3) انظر: الهداية مع تكملة فتح القدير (10/ 24، 26) طبع دار الفكر، والشرح الكبير للدردير ... (4/ 194) ، والفواكه الدواني (2/ 410) ، والحاوي الكبير (9/ 33 و 36) ، والشرح الكبير على متن المقنع (7/ 342 و 7/ 348) ، والمغني (7/ 453، 459) .