التروية، فقلت لها: يا أم المؤمنين، هنا امرأة تأبى أن تغطيَ وجهها وهي محرمة، فرفعت عائشة خمارها من صدرها فغطَّت به وجهها» [1] أي وجه المرأة المشار إليها.
)ب) ضعف الحديث الذي رواه أبو داود مرفوعًا: «يا أسماء إن المرأة إذا بلغت المحيض، لم يصلح أن يُرَى منها إلا هذا وهذا، وأشار إلى وجهه وكفيه» .
وبهذا يتبين أن ستر الوجه عن الرجال الأجانب واجب لذات الدليل. وإذا كان الدليل قد قام على وجوب ستر الوجه في عهد الصحابة والتابعين الأخيار، والناس حينذاك هم صلحاء الأمة، والفساد شِبهُ مُنتفٍ فيهم، فكيف يكون الحكم في زماننا الذي ظهر فيه الفساد في البر والبحر، وغلب على كثير من أهله الضعف في الدين، والأخلاق، والعفاف، والطهر؟!!!
فتوافق النقل والعقل على وجوب ستر الوجه من المرأة عن الرجال الأجانب، والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات.
المبحث الرابع
الترجيح
وأراني بعد سوق أدلة الفريقين، وانكشاف ضعف دليل من أجاز كشف الوجه متجهًا إلى رجاحة مذهب القائلين بوجوب ستر الوجه الذي درج عليه المسلمون لاعتبارات متعددة:
)أولها): قوة الأدلة، وسلامتها من اعتراضات ناهضة تُسقط الاحتجاج بها، بخلاف أدلة القائلين بجواز كشف الوجه التي ليست بهذه المثابة.
)ثانيها): كثرة عددها، مما يحمل المنصف إلى الاطمئنان لهذا الحكم.
)ثالثها): دلالتها الصريحة على ستر الوجه، في الوقت الذي تفتقر فيه أدلة الفريق الأول إلى نص صريح صحيح. ولم يَعُدْ خافيًا ضعف حديث أسماء الذي روته عائشة وأخرجه أبو داود، وكذا ضعف ما يُنسب إلى ابن عباس من تفسيره الزينة بالوجه والكفين، مما يُسقط الاحتجاج بهما معًا.
)رابعها): تعامل المسلمات على ستر وجوههن من أول يوم فُرِضَ الحجاب فيه إلى الوقت الذي دالت فيه دولة الإسلام، وضعُفَ الوازع الديني في نفوس المسلمين، وبدأ نساؤهم السفور بكشف الوجوه.
ومما يدل على هذا التعامل في ستر الوجه:
1 ــ ما أخرجه البيهقي بإسناد صحيح، عن عاصم الأحول، قال: «كنا ندخل على حفصة بنت سيرين وقد جعلت الجلباب هكذا: وتنتقب به، فنقول لها: رحمكِ الله، قال الله تعالى: وَالْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَاءِ اللَّاتِي لَا يَرْجُونَ نِكَاحًا فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَن يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ غَيْرَ
(1) التلخيص الحبير (2/ 272) .