ولما اختلفت أقوال الهيثمي فيه كان تحسينه لحديث أسماء، واحتجاج من احتج به غير حسن، لتضارب أقواله في «ابن لهيعة» كما رأيت، ومخالفته في ذلك جماهير المحدثين كما علمت.
ويمكن أن يُحمل تحسينه لبعض أحاديثه على ما انتقاه من مجموعها إذا ثبت تحديثه به قبل احتراق كتبه، شريطة عدم تدليسه، وسلامة الحديث من علل أخرى قادحة تُسقط الاحتجاج به، لكنَّ ذلك عزيز المنال إنْ لم نَقُلْ: دونه خرطُ القتاد، لأن ابن حبان قال فيه: «قد سبرتُ أخبار ابن لهيعة من رواية المتقدمين والمتأخرين عنه، فرأيت التخليط في رواية المتأخرين عنه موجودًا، وما لا أصل له من رواية المتقدمين كثيرًا، فرجعت إلى الاعتبار فرأيته كان يدلِّسُ عن أقوام ضعفاء على أقوام رآهم ابنُ لهيعة ثقات فالتزَقَت تلك الموضوعات به .. ثم قال: وأما رواية المتأخرين عنه بعد احتراق كتبه ففيها مناكير كثيرة، وذاك أنه كان لا يبالي، ما دُفعَ إليه قرأه، سواء كان ذلك من حديثه أو غير حديثه، فوجب التنكُّب عن رواية المتقدمين عنه قبل احتراق كتبه لما فيها من الأخبار المدلَّسة عن الضعفاء والمتروكين، ووجب ترك الاحتجاج برواية المتأخرين عنه بعد احتراق كتبه لما فيه مما ليس من حديثه» [1] اهـ.
وقد أحسن الحافظ المنذري حين اعتبر حديثه حسنًا في المتابعات فقط، فقال عند حديث: «لا ينظر الله عز وجل إلى الأُشَيمط الزاني، ولا العائل المزهو» ، قال: رواه الطبراني، ورواته ثقات إلا ابن لهيعة، وحديثه حسن في المتابعات [2] ... .
كما فعل ذلك ابن حجر الهيتمي (بالتاء) عند حديث: «إذا صَلَّتِ المرأة خمسها، وصامت شهرها، وحفظت فرجها، وأطاعت زوجها، قيل لها: ادخلي الجنة من أيّ أبواب الجنة شئتِ» ، فقال فيه: رواه أحمد بسند رواته رواة الصحيح، إلا ابن لهيعة، وحديثه حسن في المتابعات [3] ... .
وفعل ذلك أيضًا الحافظ الهيثمي (بالثاء) نفسه عند حديث: من حضر بدرًا وذكر الحديث [4] ، وكذلك عند حديث: من استشهد يوم بئر معونة [5]
ولهذا نجد الحافظ الذهبي يقول: «يُروى حديثه في المتابعات، ولا يحتج به» [6] اهـ ... .
ويظهر لي من تتبع أقوال من يقبلُ رواية ابن لهيعة في المتابعات فقط أن قدوتهم في ذلك: الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله تعالى؛ فقد قال فيه: «ما حديث ابن لهيعة بحجة، وإني لَأكتبُ كثيرًا مما أكتب أعتبر به، وهو يَقْوَى بعضُه ببعض» [7] اهـ.
(1) كتاب المجروحين (2/ 12 ــــ 13) ، ونقله عنه بنحوه: ابن حجر في تهذيب التهذيب (5/ 379) ، والذهبي في ميزان الاعتدال (2/ 482 (مختصرًا، وابن رجب في شرح علل الترمذي(ص / 138) .
(2) الترغيب والترهيب (3/ 275) .
(3) الزواجر عن اقتراف الكبائر (2/ 40) .
(4) انظر: مجمع الزوائد (6/ 102) .
(5) انظر: مجمع الزوائد (6/ 130 (وقال: وفي إسناده: ابن لهيعة، وحديثه حسن إذا توبع، وفيه ضعف.
(6) تذكرة الحفاظ (1/ 239) .
(7) شرح علل الترمذي (ص / 137) .