درء الحدود بالشبهات، وقد روي الحديث مرفوعا وموقوفا والموقوف أصح، ومثله لا يقال من قبيل الرأي، فيكون من قبيل المرفوع حكما، والله أعلم.
وقد حكى ابن المنذر الإجماع على هذه القاعدة.
فيه تغليب جانب المسامحة والشك في حق المتهمين، لا سيما من يؤخذ بمجرد الظنة، والميل إلى مبدأ العفو، ما لم تظهر الإدانة.
وإذا كانت التهمة قائمة، فلا يذل ولا يهان، ويسمح له بكل الإجراءات الحقوقية من توكيل محامي للدفاع، والنطق باطمئنان لوسائل الإعلام، وعلنية الجلسات، وحضور أهله ومحبيه، إذا تطلب الأمر ذلك، وحرمة تعذيبه ليعترف بالباطل، فقد ورد في صحيح مسلم عن هشام بن حكيم بن حزام -رضي الله عنه- أنه مر بالشام على أناس من الأنباط، وقد أقيموا في الشمس، وصُب على رؤوسهم الزيت!
فقال: ما هذا؟!!
قيل: يعذبون في الخراج! وفي رواية: حُبسوا في الجزية.
فقال هشام: أشهد لسمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول:
(( إن الله يعذب الذين يعذبون الناس في الدنيا ) ).
فدخل على الأمير فحدثه، فأمر بهم فخلوا.
قال الإمام النووي في شرح صحيح مسلم:
(هَذَا مَحْمُول عَلَى التَّعْذِيب بِغَيْرِ حَقٍّ، فَلَا يَدْخُل فِيهِ التَّعْذِيب بِحَقٍّ كَالْقِصَاصِ، وَالْحُدُود، وَالتَّعْزِير، وَنَحْو ذَلِكَ) اهـ.