وقد تكون الشهوة في ذاتها شبهة من وجه ظاهر بخلاف الباطل, فهي في ذاتها بالنسبة للمتلبس بها شهوة، ولكن بالنسبة لتصديرها للغير شبهة وليست بشهوة، ومثال ذلك: أن الإنسان ربما يعتقد في ذاته أن هذا الطريق هو طريق الحق، ولكن يصدره للناس على أنه طريق الباطل؛ لأنه لا يمكن أن يصدر الإنسان الصورة الحقيقية التي تقع في قلبه على هذا الطريق ثم يخالفه، ثم يدعو إلى الشر بأنه طريق الشر، ولهذا فرعون يعلم أن الله عز وجل هو رب الخليقة سبحانه وتعالى، ومع ذلك يقول: مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَى وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ [غافر:29] ؛ لأنه لو لم يستعمل هذه العبارة ما اتبعه على طريقه أحد، فهو بحاجة إلى نوع من الشبهة الظاهرة التي يدلس بها على العباد حتى تتحقق شهوته في ذلك؛ وهي شهوة الملك والرئاسة والسلطة على الناس. إذًا: الشبهة قد تكون ممتزجة مع الشهوة، وقد تكون منفردة أيضًا من وجوه أخرى.
بالنسبة للشبهات التي ترد في كلام الله عز وجل، وكلام رسول الله صلى الله عليه وسلم, فإننا نعرف معناها والمراد منها إذا أرجعناها إلى المعنى اللغوي، فالشبهة في اللغة مأخوذة من قولنا: اشتباه السبيل أو اشتباه الطريق, فنقول: فلان اشتبه عليه الطريق أي: تردد بين طريقين فأكثر. والإنسان يقرب من الحقيقة كلما كانت الأمور المتشابهة أقل عددًا، فإذا كثرت ضل الإنسان وتاه فيها، فالإنسان حينما يخير بين عشرة فإنه يصيب أكثر من كونه يخير بين عشرين ومائة؛ وذلك أن الدائرة تقل، وكذلك فإن الإنسان إذا خير بين طريقين فإنه بنسبة خمسين بالمائة يصيب الحق حتى لو خمن في ذلك, بخلاف لو خير الإنسان بين عشرين أو مائة ونحو ذلك.