تقدم أن من أعظم المحترزات للإنسان من هذه الشبهات التي تطرأ؛ وهي في زماننا عريضة جدًا: أن الإنسان ينبغي له أن يرسخ نفسه وأن يقعدها بالعلم، والعلم الشرعي والعقلي كلما أكثر منه الإنسان أدرك الإنسان الحق في ذاته، وكان حذرًا من سبل الشر، فإذا طرأت عليه أمامه عرف أن هذا طريق شر، كحال الإنسان الذي يسلك طريقًا وتحذره من طرق تأتيه عن يمينه وشماله، فحينما تأتيه لا يشتبه عليه هذا الأمر؛ لأن لديه علمًا سابقًا أن طرقًا ستأتيه عن يمينه وشماله, فلا يلتفت إليها وإنما هي مهالك، ولو جاءه دليل يريد أن يرشده عن يمين وشمال أنه يأتيك طريق عن يمينك وشمالك، فيقول: لدي علم قبل ذلك أن هذه طرق تؤدي إلى مهالك، فيحذر من ذلك؛ لأن لديه علمًا، بخلاف الإنسان الذي لم يعلم من قبل، فأي داعي إليه ربما يأتي دافع النفس بالتجربة والنظر في ذلك فيهلك الإنسان، والشبهة تجر أختها, كحلقات السلسلة ترد إلى قلب الإنسان وعقله حتى يتشرب الإنسان ذلك، ولهذا يقول النبي صلى الله عليه وسلم: (تعرض الفتن على القلوب عودًا عودًا) ، يعني: مرة بعد أخرى حتى يتشرب القلب تلك الفتن، ولا يستطيع الإنسان منها خلاصًا، والإنسان ربما يرى الحق ويؤمن به، ويجد ثقلًا من الاستجابة في ذلك، وهذا أمر معلوم، ولهذا الجاهليون لأنهم تعلقوا بهذا الأمر المعظم -وهي الوثنية وعبادتها- وجدوا ثقلًا من اتباع النبي عليه الصلاة والسلام؛ حتى منهم لما جاء إلى النبي عليه الصلاة والسلام فقال: (يا رسول الله! إني أريد أن أسلم؛ ولكني أجدني كارهًا؟ فيقول النبي عليه الصلاة والسلام: أسلم ولو كنت كارهًا) ، فهذا الكره هو بقايا التشرد في القلب من التعلق بأمر الجاهلية، فيدخل الإنسان في ذلك، ثم تأتي دورة العكس بسلسلة الحق بعد ذلك، فيأتي إلى قلب الإنسان حتى يفيض الباطل والفتنة من قلب الإنسان ويتشرب الحق، ثم بعد ذلك يتخلص الإنسان مما وقع في قلبه من الشبهات.