البشرية -حتى لو سبرت التاريخ- لابد أن تقر أنه لا يوجد حقيقة يمكن أن يوصل إليها العقل المجرد، فالإنسان مرت عليه قرون طويلة جدًا، ولو استطاع أن يضغط هذه القرون التي مرت بالبشرية ضغطًا، وأن يجعل القرن الواحد يساوي دقيقة، ثم يقوم باستعراضه لرأى أحوال البشرية كيف تتقلب في الحق والصواب, والباطل والحضارات, تتبدل وتقوم وتنزل، ورأى أخطاء البشرية تتغير، هؤلاء تتكرر أخطاؤهم في القرن الماضي ونحو ذلك، لأدرك أن كثيرًا من البشر إنما هم على ضلال، والله عز وجل قد جعل مشعل الهداية بينًا ظاهرًا, وعلى خط واحد يسلكه هداة الوحي, وأتباع محمد صلى الله عليه وسلم، ولهذا من نظر إلى كثير من التيارات والأفكار التي ناكفت الإسلام وجد أن الإسلام ثبت, وبقي على ما هو عليه، وهذه الشبهات زالت وانطوت، ومن نظر في كتب الملل والنحل والفرق وجد آلاف المذاهب، وآلاف الأفكار والعقائد؛ أرادت أن تناكف الإسلام وأن تواجهه, لكن قامت عجلة الإسلام بطي هذه الشبهات، وتجاوزها، والمضي بعد ذلك، وثبت الإسلام، ووقفت هذه الأمور، ولكن كثير من الناس يخدع بقوالب جديدة لشبهات هي في ذاتها من جهة جوهرها متقدمة؛ ولكن قلبت بصور وأغلفة جديدة جدًا، فظن الناس أنها من الأفكار الجديدة، ولكن هي مزيج من أفكار قد سبقت لدى الناس، ولنعلم أيضًا أن كثرة المشاهد يؤثر على عقل الإنسان, ويغرس في قلبه شبهة، وهذا فيه إشارة إلى أنه ينبغي للإنسان مهما بلغ من العلم، ومهما بلغ من العبادة أيضًا ألا يجعل لعقله وقلبه إطلاق العنان أن ينظر في الشبهات، وأن يطيل التأمل فيها، وأن ينظر فيما لا يعنيه في ذاته إذا تمحض لديه ابتداءً أنه ليس هذا بطريق الحق؛ لأن القلب يشرب، يقول الله جل وعلا لنبيه عليه الصلاة والسلام: لا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ [الحجر:88] ، لا تمدن عينيك يا محمد! والمراد بذلك أي: لا تطلق البصر لما أوتي هؤلاء مما لم