الصفحة 4 من 9

ثانيًا؛ الديمقراطية

لم يرحل الاستعمار الجائر البغيض عن الدول التي جثم عليها ونزل أرضها فنهب خيراتها واستعبد أهلها؛ إلا بعد أن استنبت بها نوابت سوء، وغرس فيها غراس بلاء، يتكيف مع أجوائها ويتكلم بلسان سكانها، فقام مقام المستعمر وأدى الدور المنوط به، وربما زاد على ما يراد، حتى تجرعت الشعوب على أيديهم الغادرة الويلات، وعاشوا سِنيَّ حكمهم؛ حياة الغاب، التي يسيطر فيها القوي على الضعيف، ويتسلط الرفيع ويُظلم الوضيع، وصارت الدكتاتورية المتسلطة سياسة يسير وفقها سادة الأمم المستعمرة بلا حسيب ولا رقيب من البشر.

فاستعبد أولئك الأنذال الشعوب المنكوبة، وخَضَّعوا الأمم المكلومة بلغة الحديد والنار، التي لا تعترف بالخطأ ولا تسمع إيضاحًا, فالسجون التي تشتمل على أنواع النكال وضروب التعذيب تغص بالأبرياء, والمجازر الجماعية ملء السمع والبصر، وهي أمثلة إجرام ونماذج طغيان.

فسئم الناس من أولئك الأشرار المتسلطين على أموالهم ودمائهم وأبنائهم، والذين يكررون صورة الطغيان الفرعوني المستبد، فضاقوا بهم ذرعًا، إذ ضنَّكوا عليهم معيشتهم وساموهم سوء العذاب.

في هذه الطقوس المشحونة بالويلات والمملوءة بالاستبداد والقمع بكل صوره وأشكاله؛ جاءت نظرية الديمقراطية إلى هذه الشعوب الملهوفة، ووفدت عليها كمغيث لها وبدلٍ مناهضٍ، وحلٍّ مناقضٍ لهذه النظم الجبروتية المتسلطة على الأنفس والأموال والممتلكات، والمستحوذة على الشعوب، والمهيمنة على مقدوراتها، ولم تتأتى لبعض الشعوب إلا بدماء أبنائها.

وقد عملت بالديمقراطية دول أوربا للتخلص من بطش الملوك والانفكاك من ظلم الكنيسة؛ إذ أنهم قوم لا يملكون كتابًا يحكمهم ولا شريعة ترحمهم.

"فلا ينجح فيه إلا من يغري الناس ويستولي على عقولهم وألبابهم بماله وعلمه وذكائه ودعايته الكاذبة ... ثم يصبح هؤلاء الناجحون آلهة لهم، يشرعون ما يشاؤون من القوانين، لا لمصالح الجمهور بل لمنافعهم الشخصية ومصالح طبقاتهم المخصوصة التي ينتمون إليها، فهذا هو الداء العضال الذي أصيبت به أمريكا وإنجلترا وسائر البلاد التي تدعي اليوم أنها جنة الديمقراطية" [16] .

فلما جاءت الديمقراطية؛ فرح بعض كتَّاب الأمة، ورحب بقدومها شريحة من مثقفيها باختلاف اتجاهاتهم وتنوع مناهجهم وتعدد أغراضهم ومقاصدهم، ظانين أنها المفزع المأمون، ولم يدركوا أن الديمقراطية وجه آخر للدكتاتورية، يخدَّر بها الشعوب وتهيأ من جديد لأولئك المتجبرين.

وذهب بعض المغرورين يحاول تبريرها وتكييفها لتنسجم مع تعاليم الإسلام وتتفق مع شريعة الله، مع أنها تضادها وتناقضها - شكلًا ومضمونًا - فعلوا ذلك لأنهم عاشوا واقع التسلط وتذوقوا مرارة الاستبداد ورأوا مشاهد الغطرسة والظلم التي يندى لها الجبين ويتفطر من تصورها الفؤاد، فدفعهم ذلك إلى هذا الموقف المرتجَل وتلك المبادرة المستعجَلة التي صدرت عن قلة علم وقصور نظر واضمحلال فقه وضمور روية.

"فقيام الإسلاميين بالدعوة إلى الديمقراطية وتوسيع تبنيها بتقريبها من الإسلام لا يدل بحال على أن الإسلام يجيز تبني الديمقراطية، فلا ديمقراطية في الإسلام ولا إسلام بالديمقراطية" [17] .

"والأمر الذي لابد من التوقف عنده؛ أن الديمقراطية قيم غربية طُرحت في العالم الإسلامي لخدمة الحضارة الغربية، وتشكيل البديل الحضاري عن القيم الإسلامية" [18] .

الديمقراطية عبارة عن نظام"لا ديني"، خارج عن تصور خاص عن الحياة، قائم على أساس فصل الدين عن الحياة، فهي إذًا"نظام علماني، يعبر عن وجهة نظر معينة للحياة السياسية، مبنية على فصل الدين عن الحياة" [19] .

فالشعب - أو أغلبية الشعب - هو الذي يختار نظامًا من الأنظمة المطروحة في الانتخابات، ويستأجر حاكمًا يقيمه، فهي صرف حق من حقوق الله وعبادة الحاكمية؛ لغير الله.

والديمقراطية؛ كلمة قديمة يونانية الأصل، مرَّت في هذا العصر بأطوارٍ متعددة، واختُلف في تعريفها بين التعريف المعياري الكلاسيكي والتعريف الجِرائي, وعلى كل تعريف منها مآخذ وملاحظات هي مكان بحث وموضع نظر.

وتنبني الديمقراطية؛ على تقديم رأي الأغلبية، مهما كان متفقًا مع الشرع أو مخالفًا له، وهي بهذا الأساس تتعارض مع آيٍ كثيرة من كتاب الله تدل على خطأ الكثرة وآيات أخر تدل على صواب القلة.

"فالمسلم ملزم باتباع الشرع، وليس بقبول رأي الأغلبية، فلو اتفق أعضاء مجلس الأمة أو الشورى على تبني رأيٍ مخالفٍ للشرع؛ فإنَّ هذا الرأي بميزان الشرع يعد رأيًا باطلًا، حيث أن العبرة ليس في عدد المصوتين للقانون، بل العبرة بانبثاق التشريع من التشريع الإسلامي واتفاقه معه" [20] .

وهذا الأمر"مما جعل النظام الديمقراطي يقف على طرفي نقيض مع النظام الإسلامي القائم على سيادة الشرع الإسلامي في واقع الحياة، فالشرع - وليس الشعب - هو المرجع الأعلى في النظام السياسي الإسلامي، ومن ثم فجعل الشعب المرجع الأعلى لأنظمة الحياة؛ يعد تعطيلًا صريحًا لسيادة الشرع وهيمنة أحكام الإسلام في الدولة، مما يؤدي إلى ظهور الكفر البواح، وتحول الدولة إلى دار كفر" [21] .

لأن"البلد التي يحكم فيها بالقانون ليست بلد إسلام" [22] .

وهذا"مما يؤدي إلى التناقض بين الدعوة إلى تطبيق الشريعة الإسلامية في واقع الحياة وإقامة القواعد الديمقراطية" [23] .

وقد تكاثرت الآيات وتنوعت الدلالات في وجوب التحاكم إلى شرع الله، وكفر من تنكب ذلك وأعرض عنه، وقرر أهل العلم - في قديم الدهر وحديثه - هذا الأصل، وبينوه أعظم بيان، وأوضحوه غاية الإيضاح، فلا عذر ولا اعتذار لمن ترك التحاكم إلى شرع الله وحكَّم غيره.

وقد نقل أبو الفداء إسماعيل بن كثير؛ الإجماع على كفر محكم غير شرع الله [24] ، استنادًا على تكفير الله له: {ومن لم يحكم الله بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون} ، وسبب كفره صرفه عبادة لغير الله؛ {إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلّهِ أَمَرَ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ إِيَّاهُ} ، فكما أن الخلق خلق الله فالحكم حكم الله؛ {ألآ له الخلق والأمر} ، وقد أمر الله نبيه صلى الله عليه وسلم أن يحكم بين المتنازعين بما أنزله عليه وأوحاه إليه: {فَاحْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ} .

والحكم دين يدان لله به، قال الله في قصة يوسف: {مَا كَانَ لِيَاخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ} ، وقال الرب المتعال لنبيه صلى الله عليه وسلم: {أَفَغَيْرَ اللّهِ أَبْتَغِي حَكَمًا ... } .

"فهذه الآيات - وما في معناها - تدمغ بالبطلان نوع الحكم الذي يخدعون به الناس ويسمونه الديمقراطية، إذ هي حكم الأكثرية الموسومة بالضلال، هي حكم الغوغاء والدهماء" [25] .

وصدق ربي: {أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ} ، وكل نظام أو شخص أو عادة أو قانون نصِّب حَكَمًا بين المتخاصمين؛ فهو طاغوت، أُمرَ المسلمُ بالكفر به والتبرؤ منه؛ {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَن يَكْفُرُوا بِهِ} .

وقد أمر الله عند النزاع والخصومة بالرد إلى الكتاب والسنة: {فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ} .

"وأمر الله سبحانه وتعالى بالرجوع إليه؛ يشمل النزاع في الشؤون السياسية والاقتصادية والاجتماعية وفي العقائد والأحكام الفرعية وغيرها، فهو حكم شمولي قطعي، فلا يصح استدناء الظاهرة السياسية من حكم الله الشمولي بحجة أن الممارسات السياسية لا علاقة لها بالحلال والحرام، أو تبني الربا بحجة المصلحة الاقتصادية، لأن حكم الله الشمولي يوجب الرجوع إليه في كل شيء، وهذا هو مقتضى قوله تعالى: {فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللّهِ} ، أي أنه لا يصح إخراج أمر من الأمور من دائرة الرجوع إلى الله - أي إلى الشرع الإسلامي - بحال من الأحوال، وذلك لأن الشرع صاحب السيادة في الدولة الإسلامية" [26] المأمور أفرادها بالخضوع التام والرجوع الكامل إلى حكم الله ورسوله: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ} ، فلا يقدموا حكم المخلوقين وآراءهم على حكم الله ورسوله.

وللديمقراطية ارتباط وثيق بالحرية الفردية، التي تعني التفلت من قيود الشرع المطهر, فالديمقراطية لا تتدخل"بهوية الإنسان وإيمانه وكفره ونوعية القيم التي يحملها، فالكل سواء؛ عالم الدين والبغي، والمسلم والنصراني" [27] .

فلذلك يرى الديمقراطيون؛ أن هناك مؤسسات وأجهزة يؤدي وجودها في المجتمع واستمرار عملها إلى إعاقة قيام الديمقراطية، مثل هيئات الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والحسبة التي تقوم بمراقبة الشارع الإسلامي والتأكيد من التزام الأفراد بأداء الصلاة وعدم الإفطار في رمضان والالتزام بالزى الإسلامي والسلوك الإسلامي [28] .

حركة حماس تعلقت بالديمقراطية تعلق الرضيع الوله بأمه، واتخذتها منهجًا، وعدت بانتهاجه وسير حكمها على وفقه، فقد سطرت على أوراق بياناتها المتعددة المناداة والدعوة لطاغوت الديمقراطية، فقد طالبت الأطراف باحترام"الإرادة الفلسطينية"و"الخيار الديمقراطي".

وقالت في بيان آخر عن نفسها: (إن حركة حماس منفتحة على الجميع، وتسعى للحوار مع كافة الأطراف من أجل تطوير الموقف واحترام الخيار الديمقراطي الفلسطيني ونتائجه) .

وقال أحمد ياسين في جواب له ضمن حوار مطول: (وأنا أيضا أريد دولة ديمقراطية متعددة الأحزاب والسلطة فيها لمن يفوز بالانتخابات) ، فسُئل: حتى لو فاز الحزب الشيوعي؟ فقال: (حتى لو فاز الحزب الشيوعي، فسأحترم رغبة الشعب الفلسطيني) ، وقال: (والله نحن شعب له كرامته وله حقوقه، إذا ما أعرب الشعب الفلسطيني عن رفضه الدولة الإسلامية؛ فأنا أحترم وأقدس رغبته وإرادته) .

وقرروا في بنودهم الأخيرة التي أعلنوها بعد الانتخابات قولهم: (تحقيقًا لمبدأ الديمقراطية) ، (حماية الديمقراطية) ، (وبناء مؤسساتنا الوطنية المختلفة على أسس ديمقراطية) .

ولم يذكروا في بنودهم؛ الإشارة إلى حكم الله وتحكيم شرعه، ولم يعلموا أن الديمقراطية وغيرها من الشعارات؛ لا تخيف العدو، إذ أنه يعلم نهايتها.

قال"ابن غوديون": (نحن لا نخشى الاشتراكيات ولا الثوريات ولا الديمقراطيات في المنطقة، نحن فقط نخشى الإسلام، هذا المارد الذي نام طويلًا وبدأ يتململ من جديد) [29] .

[16] نظرية الإسلام السياسية ص 18.

[17] نقض الجذور الفكرية ص 107.

[18] حتى لا تكون فتنة ص 96.

[19] نقض الجذور الفكرية ص 31.

[20] نقض الجذور الفكرية ص 35.

[21] نقض الجذور الفكرية ص 38.

[22] فتاوى ابن إبراهيم 6 ص 188.

[23] نقض الجذور الفكرية ص 87.

[24] البداية والنهاية 13 ص 128.

[25] عمدة التفسير 5 ص 89.

[26] نقض الجذور الفكرية للديمقراطية الغربية ص 50.

[27] حوار في الديمقراطية، مجلة البيان عدد 58 ص 39.

[28] ينظر كتاب التيارات الإسلامية.

[29] حماس، لعبد الله عزام ص 109.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت