فما حيلة المحتال إلا ركوبها ... وقبل الكلام على حركة حماس أود أن أنبه على أمور أربعة:
-الأول:
إن مما يعز على النفس ويثقل اللسان؛ أن يتكلم في نقد حركة مثل حركة حماس التي تنتسب للفعل المقدس - الجهاد في سبيل الله - وكم تمنيت أن لا أقف في هذا المضيق والموقف الحرج الذي تتداخل فيه الحروف وتنعقد الكلمات على طرف اللسان ولكن:
إذا لم يكن إلا الأسنة مركب
وقد انتظرت طويلًا لعله ينبري من يكشف زيف البيان ويتكلم عن حقيقة حركة حماس، فما رأيت إلا كلمات أعتبرها شذراتٍ من ذهب وفق الله كُتَّابها, إذ الانتساب للجهاد ليس سربال حماية، ودرع ستر تُستر به الأخطاء، وسياج لا ينفذ من خلاله النقد البناء، لأنني ممن يؤمن بضرورة نقد الذات وتحسس مواقع الخطأ قبل إلقاء اللوم على العدو ووضع التبعية عليه، إذ أن العمل على الإصلاح الفكري للأمة مقدم على الإصلاح السياسي والعسكري.
إني - ولله الحمد - ممن صان نفسه ورفع لسانه من الوقيعة بخيار الأمة وحماة بيضتها، وهم المجاهدون لإعلاء كلمة الله، الذين بذلوا - ولازالوا يبذلون - في هذا السبيل الشريف نفوسهم وأموالهم.
أنهج هذا النهج؛ خلافًا لمن استهواه الشيطان واستخدمه، فسخر وقته وأوقف قلمه في النيل منهم ونهش أعراضهم الطاهرة، وجعلهم سُلَّمًا يتزلف به لأغراضه المشبوهة ومعرجًا يصل به لمآربه الشخصية.
ومعلوم بديهة؛ أن النقد حكم وأمانة, فيحتاج إلى علم بواقع القوم مقرونًا بالعلم الشرعي، كما يحتاج إلى العدل والاتزان عند إصدار الحكم، وبهذا تؤدى على الوجه المطلوب الأمانة.
وإذا كتب الناقد فإنما يكتب حكمه الذي أطلقه بناءًا على ما ظهر له من كتابات الحركة وتقاريرها وما يشاهده من تصرفات قياديها، {مَا شَهِدْنَا إِلاَّ بِمَا عَلِمْنَا} .
-التنبيه الثاني:
إن مما لا نزاع فيه بين المتابعين للمقاومة في أرض فلسطين؛ أن حركة حماس من أعظم الحركات وأقواها مواجهة للعدو المحتل وأشدها منازلة له، ولذا عمل جاهدا لإضعافها، واستخدم لتحصيل ذلك المقصد وإحراز ذاك الهدف عدة وسائل, لعل من أبرزها تصفية النشطين فيها ولم يزدها ذلك إلا قوةً وثباتًا ولم تضرها المواجهة بل أكسبتها تأييدًا - رغم ما عليها من ملاحظات -
ولذا قدَّر العدو وفكَّر في مراكز دراساته، ورأى أنها قابلة للتنازلات، فدخل عليها من هذا الباب، فدبر لها هذه المكيدة واستدرجها لتقع في هذا الفخ المنصوب مسبقًا، وهي سياسة"التطويع"شيئًا فشيئًا، فبدلًا من إدامة الصراع واستمرار المواجهة مع هذه الحركة النشطة، التي صارت تسير على وفق خطط منهجية مدروسة، وتستخدم إستراتيجية مؤهلة لدوام المواجهة ... بل وتصعيدها، فبدلا من هذا الخيار العسر على العدو عمد إلى خيار الموادعة، بإخضاعها بطريق غير مباشر، فيُدرس وضعها، وتُرفع لخفضها، وتُسمَّن لذبحها، ويُستنبت جناحها ليَسهُل اجتياحها.
فإذا وصل قيادي حماس إلى السلطة بسُلَّم الذلة والخنوع ومدرج البرلمانات والانتخابات المنبثقة من سياسات وافدة, فإذا استلموا زمام السلطة أُركبوا مرجح السياسة وصاروا يساوَمون لأجل التنازلات المنتظرة، بحجة الانسجام مع الواقع وملائمة الوضع الحالي، ويبدأ مسلسل التنازلات محافظة على ما كسبوا - بزعمهم - من مكاسب سياسية، لا ينبغي التفريط بها ... بل يجب المحافظة عليها، وفقًا لمنهج استغلال الممكن.
وقد بدأت ملامح ذلك تتجلى على أعمالهم، فهرعوا نحو الشرق وأسرعوا تجاه الغرب، وارتموا في أحضان الرافضة، وعقدوا عدة جلسات وهاتفوا جمعًا ممن سيعمل على تركيعهم للعدو وهم لا يشعرون.
هذا الملحظ يبين بجلاء مدى غفلة صانعي البيان، وتسرعهم - وقبلهم قيادي حماس ومؤيديها - الذين اعتبروا هذا المكر اليهودي والخديعة الصهيونية؛ نصرًا وتمكينًا.
وعلى كلٍّ؛ صُحِّحَ هذا القول أم خُطِّئَ، فإن الملاحظات على حركة حماس ثابتة لا ينبغي إغفالها ولا الانشغال عنها بتصويب تحليل أو تخطئته.
-الثالث:
عندما أقوم ببيان أخطاء حركة حماس لا أتهم قياديها بالخيانة والعمالة، ولا أظن أنهم يسعون للمتاجرة بالقضية، وإن كان مآلهم إلى هذا الأمر، إنْ هم استمروا بسلوك هذا الطريق الأعوج ودخلوا بهذا النفق المظلم واستجابوا لسحبهم لهذه الهوة السحيقة.
ولكن أقول: أنهم أخطأوا الطريق الموصل للنصر والتمكين، فاستمنحوه من غير مالكه، وطلبوه بغير طريقه، وطرقوا بابًا يضاده، فأتوا الموانع يظنونها أسبابًا.
إذ أن النصر على العدو وإلحاق الهزيمة به مما تحبه النفوس وتسعى لتحقيقه وتعمل لتحصيله؛ {وَأُخْرَى تُحِبُّونَهَا نَصْرٌ مِّنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ} ، إذ بالنصر تشفى صدور المؤمنين؛ {وَيَنصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُّؤْمِنِينَ} .
وهذا المطلب المأمول والهدف المقصود؛ لا يتحقق لمبتغيه ولا يتهيأ لطالبه إلا إذا جاهد غضبًا لله ونصرةً لدينه وسلك الطرق الشرعية للظفر به؛ {إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ} ، ولا يمكن أن يتحقق نصر وتزول هزيمة ويأفل استضعاف ويشرق تمكين؛ بدون أن ترجع الأمة كل الأمة إلى ربها وتصحح مسارها وتتهيأ بجميع طبقاتها وشرائحها للقيام بشرع الله وتطبيقه في أرضه على عباده، {إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ} .
فحينما يحصل التغيير الجماعي - الذي يشترك الكل في إيجاده - ويتوجهوا بعده للعمل لنصرة دينهم الذي عملوا به، ولم يطلبوا نصرته من أعدائه المتربصين به، المتمنين زواله, بل توجهوا إلى مالك النصر سبحانه، حينها؛ {إِن يَنصُرْكُمُ اللّهُ فَلاَ غَالِبَ لَكُمْ وَإِن يَخْذُلْكُمْ فَمَن ذَا الَّذِي يَنصُرُكُم مِّن بَعْدِهِ} ، {وَمَا النَّصْرُ إِلاَّ مِنْ عِندِ اللّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ} .
والعزة لله يؤتيها عباده الذين استقاموا على شرعه واتبعوا أمره، فجاهدوا في سبيله لإعلاء كلمته ونصر دينه؛ {وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ} .
كلما قوي إيمان الجماعة المسلمة؛ قويت عزتها وعلت مكانتها.
وطريق الاستخلاف وسبيل التمكين؛ واضح مستبين أمام أنظارنا في كتاب الله، {وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا} ، فوعْدُ الله بالاستخلاف في أول الآية مشروط بتحقيق العبودية في آخرها.
وقد وصف الله المستخلفين؛ {الَّذِينَ إِن مَّكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الأُمُورِ} .
فهل حركة حماس نهجت هذا النهج السوي أم أنها حادت الله ورسوله، فهرعت للديمقراطية والوطنية، وميعت ملة إبراهيم المبنية على الولاء والبراء؟
{إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَئِكَ فِي الأَذَلِّينَ} .
-الرابع:
هذه الملاحظات ليست سرًا أفشيته أو مخبَّأً كشفته، بل منهج مذاع تعلنه الحركة ليل نهار، وطريقة تبديها على رؤوس الأشهاد، وهو مسطر على أعمدة بعض الجرائد، ومرقوم على صفحات المجلات، ومتداول في مواقع عدة على شبكة الإنترنت، ومسموع عبر أجهزة الإعلام المختلفة، فهي حقائق تقرر واقعًا ليس لها من دافع، وقد قيل:"وما يوم حليمة بسر".
والسكوت عن الأخطاء وتغطية الجراح؛ لا يمكن أن يصوبها، ومحال أن يعالجها.
وحركة حماس؛ حركة قديمة الأصول، منبثقة من حركة الإخوان المسلمين، فهي أحد أجنحتها، أقيمت لمواجهة الكيان الصهيوني الغاشم ومقارعة طغيانه بعد فشل القوى العربية وهزيمتها.
والدارس لهذه الحركة من نشأتها والمتفحص لجذورها؛ يجد أن الانشطار بدأ منذ تأسيسها، ربما يرجعه بعض الدارسين لأسباب عدة, تتصارع أفكارهم وتلتقي أقلامهم في إثبات بعضها ونفي بعضها، ولا يهمنا أسباب الانشطار بقدر ما يهمنا وجوده في بنيتها الأساسية.
ومع مضي الليالي وتقدم الأيام وتلاحق الأحداث؛ مرت الحركة بمنعطفات حادة، زادت هذا الانشطار ووسعت هوته، حتى صار إلى ما سنراه.
وسوف أوجز الملاحظات حول حركة حماس بثلاث نقاط ...