بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، وأصلي وأسلم على أفضل نبي وخير هاد وعلى آله وصحبه أجمعين.
وبعد:
نُشاهد أمم الأرض اليوم وهي تسعى جاهدة لتوليد الأدمغة المنتجة، وتعمل على استيراد العقول الفتية الناضجة المفكرة، واستقطاب السواعد القوية العاملة التي تشارك في تطوير صناعاتها وتجهد لتنمية مقدراتها، وهذا العمل الدءوب والتنافس المستمر من حكمة الله سبحانه بخلقه؛ {لَوْ شَاء رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ} ، ولكن لتدوم سنة كونية وتستمر حكمة إلهية، وهي سنة تدافع البشر وتنافسهم؛ {وَلَوْلاَ دَفْعُ اللّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَّفَسَدَتِ الأَرْضُ} .
فسنة التدافع التي جبل الله عليها عباده؛ تجعل من أبرز أهداف الإنسان المعاصرة إيجاد ما يدفع به عن نفسه ويحقق أعظم المكاسب المادية له ولأمته التي ينتسب إليها، ولذا سعى جهده؛ لتقنية ما لديه من أدوات الحرب وآليات الصراع وعمل نشاطه لإتقان صناعتها وتطوير مخترعاتها, إذ أن تضخيم الصناعة العسكرية كفيل أن يضع الهيبة في النفوس الضعيفة، ويقيم كيان الرهبة في الضمائر الخائرة، ويستنبت الرعب ويهيجه في الأفئدة الفارغة، فيحسر نفوذ العدو ... بل يخضع ويذل ويستكين.
ولما كان هذا الطابع ينمو في النفوس إذا رأت مثل هذه الأشياء ويروعها منظره، أنزل ربنا سبحانه ما يعالج هذه الظاهرة النفسية ويقتلع جذورها، وينزع من القلوب أصولها بأعظم أسلوب وأعذب بيان وأفصح عبارة وأخصر كلام؛ {وَلاَ تَهِنُوا وَلاَ تَحْزَنُوا وَأَنتُمُ الأَعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ} ، {فَلاَ تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِي} ، {إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءهُ فَلاَ تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ} ، أي يخوفكم بأوليائه.
ومدح سبحانه؛ طائفة تسامت نفوسُهم، وعلت هممُهم، وصفت سرائرُهم، ففوضوا أمرهم إلى ربهم الذي بيده أزِمَّة الأمور، وذلك حينما اهتزت قلوب المرجفين واضطربت أفئدة المنهزمين.
إن هذا الصنف المعظم هم؛ {الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم إيمانًا وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل* فانقلبوا بنعمة من الله وفضل لم يمسسهم سوء واتبعوا رضوان الله والله ذو فضل عظيم} ، إنه الإيمان إذا خالط النفوس، والتوحيد إذا جرى في العروق.
في الوقت الذي فيه ينزل القرآن على قلب رسول الله صلى الله عليه وسلم - معالجًا هذه الظاهرة ومستأصلًا هذا الداء - يأمر الله سبحانه أهل الإسلام بالإعداد لعدوهم والاستعداد لمواجهته وإظهار الجلَد والقوة لهم والغلظة عليهم والإثخان بهم، حتى يُرهَب جانبُ الإسلام وتُخاف سطوته؛ {وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدْوَّ اللّهِ وَعَدُوَّكُمْ} ، {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ} ، {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُم مِّنَ الْكُفَّارِ وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً} .
ومن المبشرات التي تشرح صدور أهل الإيمان وتُفرح نفوسهم؛ أن الأمة عملت منذ سنوات عدة على فك قيود التبعية، وإزاحة سربال الدينونة، وشق سبيل الريادة عبر طريقٍ رسمته لنفسها، وجرى حبه في نفوس الصفوة من رجالها، تسترجع من خلاله هيبتها، وتسترد من طريقه هيمنتها، وتضمد جراحها، وتلم شملها، وتنتصر بإذن الله ممن ظلمها، ولِيُوضَعَ العدوُّ موضعَه؛ فيعطِي الجزية عن يد وهو صاغر، ويعلم أن مقتنياته العسكرية ومخترعاته الحربية لا تغني عنه شيئًا، وأن قواها تتبدد وجدواها تنعدم أمام جند الله وحزبه المخلصين.
وفي خضم التسابق المادي الحميم والتنافس العسكري المستمر بين الأمم في إيجاد صناع الأسلحة المتقدمة والعمل على رفع إتقان إنتاجهم العسكري؛ نجد ثلةً من مغفلي الأمة هم ثالثة أثافي حرب الجهاد [1] وكسر شوكته بأناملَ ناعمة، يمارسون صناعة رخيصة؛ وهي صناعة الانهزام في نفوس أهل الإسلام ووضع الوهن في قلوبهم.
ولقد بات هؤلاء السفهاء يمارسون هذا الفعل الذميم بكل تفانٍ وإخلاص، فيصدون عن الجهاد في سبيل الله بتفخيم شأن العدو وتعظيم عُدته تارة، وباحتقار المسلمين أخرى، ويزخرفون قولهم بحجة تأخير المواجهة، ويرون أنهم يحسنون صنعًا بأمتهم ويجنبوها كوارث عصيبة ويرشدوها لطريق السلامة، فخدعوا فئامًا من الناس بألقابهم الفارغة وشهرتهم الواسعة التي عملها الإعلام الجاهلي تحت نظر الحكومات المتسلطة، وهم في الحقيقة يضجعون الأمة لعدوها ويأسرونها لخصمها المستأسد ... ولذا يرى الذين أوتوا العلم أنهم على ضلال وانهزام وخنوع.
إنهم على رغم وضوح أمر العدو - حتى لعامة الأمة - إلا أنهم مازالوا ينظرون إلى الغرب والشرق نظرة خوف وإعجاب، إذ انتقش في نفوسهم ما شاهدوا، وترسَّب في ضمائرهم ما سمعوا عنه من تقدمٍ سَحَرَ قلوبهم المريضة وخَطَف ألبابهم العليلة التي علقت بالدنيا واغترت بلمعانها، ومن ثم نظرت إلى مقاييس الصراع بنظرة مادية بحتة، غافلين أو متغافلين عن تاريخ الأمة وماضيها في صراعها.
إنها نظرة خاطئة قاصرة، جاءت الشريعة بتصحيحها وتقويم مسارها، إنها نظرة مشؤمة صبغت أصحابها بصبغة الانهزام والتبعية وصنعت منهم عنصر التخذيل، وفرح بها العدو فعمل على إشعال فتيلها وتزويد وقودها عبر نوافذ الإعلام ومرتزقته، وهذا أمر يدق نواقيس الخطر ويحرك أجراس الإنذار بكارثة مدلهمة، لأن لهم الدور الأكبر والنصيب الأعظم لجر الأمة إلى مرحلة الغثائية وإدخالها دائرتها التي حذرها منها نبيها صلى الله عليه وسلم: (يوشك أن تداعى عليكم الأمم كما تداعى الأكَلة على قصعتهم) , قالوا: أمن قلة بنا يومئذ يا رسول الله؟ , قال: (لا بل أنتم يومئذ كثير، ولكنكم غثاء كغثاء السيل، ولينزعن الله المهابة من صدور عدوكم وليقذفن في قلوبكم الوهن) , قالوا: وما الوهن يا رسول الله؟ , قال: (حب الدنيا وكراهية الموت) [2] .
لا يكفي تحديد الداء وتشخيص موضعه دون العمل على علاجه، ولذا تحتم على الأمة محاصرة هذه النظرة الممقوتة القاصرة، ومطاردتها في النفوس، وكتم أنفاسها، لئلا يفشوها في المجتمع وينقلها المنهزمون من أذهانهم العفنة وينفثوها في روع من يحسن الظن بهم ويسمع صوتهم أو يصغي - جاهلا لكلامهم -
إن هذا الانحراف في الفهم يتحصن دائما بدعاوى فارغة، ويلجأ أصحابه إلى أساليب ملتوية يحاولون بها تبرير هذا الانحراف وتعزيز موقفه.
فعلى أهل العلم وذوي الفقه والفهم أن يحذِّروا من هؤلاء النشاز، ويكشفوا ضررهم، ويزيلوا الحُجُب عن ضلالهم، وأن يُصَوَّروا بصورة القدوة السيئة التي يجب أن لا يحتذَى حذوها ولا يسار بسيرها، خاصة إذا علمنا أن الهجمات الصليبية الغاشمة التي اجتاحت بلاد المسلمين وأخضعت الممالك الإسلامية؛ سبقها اضطراب فكري ولوثة منهجية وخلل، ساهم مساهمة فعالة في إفساد ميادين الحياة، مما أفقد الأمة مناعتها وأتاح الفرصة للعدو الخارجي الصليبي من غزوها وهزيمتها.
فحري بأهل العلم وأساطين الثقافة والفكر؛ أن يكونوا على يقظة من مخاتلتهم واستخلاص الموافقة لهم ومشاركتهم في باطلهم بطرقهم الملتوية وأساليبهم الخداعة، فلا يغترون ببهرج"صانعي الانهزام"، ولا ينساقون خلف زيفهم المنمق, بل إعمال الفكر وإجالة النظر في القضايا المطروحة؛ هو سبيل أهل الحق وأصحاب المنهج المستقيم، بعيدًا عن التسرع والاستعجال الذي لا ينضبط معه عمل ولا يستصوب مع وجوده فعل.
لقد كان لعلماء السلف في زمانهم دور فعال في ترشيد المجتمع وحمايته، ومن ثم تهيئته لمواجهة عدوه، والمكتبات تزخر بدراسة مفصلة لهذا الجانب من حياتهم.
إن الواقع يشهد على عظم وشدة انحراف"صانعي الانهزام"وبُعد ضلالهم, إنهم يسعون للتسلق بسلم موهوم، ويحاولون التشبث بخيوط خيالية، وينأون بعقولهم وأسماعهم وأبصارهم عن واقع المعركة وما يُفعل بإخوانهم.
ألم يئن لهؤلاء الغُفُل؛ أنه بالقوة العسكرية اقتحم العدو على المسلمين ديارهم، وبالعنف المسلح نهب أموالهم وقتل رجالهم وأرمل نسائهم؟! ألا يعقلون أن العنف وإدامته هي لغة الكفار ومزية بارزة من مزاياهم؟ فكم دُمرت من مدنٍ وأُحرقت من قرى وذُبحت من شعوب وهُتكت من مواثيق وعهود.
لقد أصبحوا في مقدمة صناع القرار الدولي لحرب الجهاد وملاحقة عشاقه ومؤيديه باسم"الإرهاب"، حتى سودوا وجه الأمة بعَقْدِهم مؤتمرات ساذجة لهذا القصد المشين والغرض الفاسد، وأصدروا الفتاوى والبيانات التي يباركها الطاغوت، وتدفعهم لإخراجها وتشجعهم على نشرها الأنظمة الحاكمة الخائنة، لظنهم أنه يمكن تركيع الأمة لعدوها وتذليلها له.
مما عملته أيدي هؤلاء الانهزاميين وأعلنته تلك الثلة الانبطاحية؛ ما أصدروه أخيرًا من بيان مشترك، تخلف بعضهم عن توقيعه، ووقعه أكثر من خمسين شخصًا حول حركة حماس.
من بين الموقعين؛ أناس خُدعوا واستُدرِّت موافقتهم، واستجلب توقيعهم بأسلوب خداع وطريقة ماكرة، مع أن واقع هؤلاء الانهزاميين؛ يدفع العاقل للتروي في أعمالهم وعدم الانخراط بسلكهم وولوج سبيل عَبَّدوه.
ولقد غص بعض الدعاة وتذوقوا مرارة استعجالهم بالمشاركة في بيان هؤلاء الانهزاميين المخذول:"على أي أساس نتعايش"، فكانت تلك المخادعة درس عملي لهم ولمن اعتبر، ولذا لم يلبوا طلبتهم في توقيع هذا البيان الانهزامي المقَنَّع.
وقد اشتمل بيانهم على تجاوزات منهجية لا يجوز غض الطرف عنها، وتضمن عدة أخطاء توضح اضمحلال فقه الحركة أو انعدامه في أدمغة كاتبيه, فلبس صائغوه على الأمة، وكتم كاتبوه الحق، ولم يؤدوا حق النصيحة وواجب البيان الذي حمَّله الله أهل العلم وأتمنهم عليه، بل أظهروا المبطل بصورة المحق، ووضعوا الخطأ بقالب الصواب، فالذي يطالع بيانهم ويعيد النظر فيه يدرك مدى تيه هؤلاء الانهزاميين، ويعي تماما تدليسهم الذي انطلى على بعض من أركسوه في حمئة خيانتهم من الموهوبين، فكيف بغيرهم من عامة الأمة؟!
لقد ظن بعض الشيوخ بكُتَّابه خيرًا، فعلَّق على بيانهم قبل توقيعه، ظانًا أن تعليقه سيلقى حفاوة ويوضع مع البيان، فخرج البيان بدون تعليق الشيخ، وهذه أحد فواقر هؤلاء وبلاياهم.
سوف أشير على عجل إلى طَرَف قصير مما حواه ذلكم البيان الآثم، وبعد عرض حقيقة حركة حماس وكشف زيفهم؛ يتضح جليًا لكل ذي عينين بطلانُ وتهافتُ هذه الفهوم البالية وانعكاسُ أفكارها.
قالوا في مطلع بيانهم: (فإن من أبرز صور النصر لهذه الأمة أن يمكن الله تعالى للمؤمنين المجاهدين، فترفع كلمة الله وتعلوا راية التوحيد) ، وعدُّوا فوز حماس بالانتخابات نصرا ًتُوِّج به جهاد الشعب الفلسطيني, واعتبروه باعثًا لروح الاعتزاز والاستعلاء الإيماني في نفوس المسلمين ومنعشًا آمالهم ورافعًا معنوياتهم.
ثم بعد هذه المقدمة المحفوفة بالتزوير والمزوقة بالبهتان، والتي تضمنت الإقرار بالدخول بالبرلمانات والانصياع للانتخابات وإضفاء الشرعية عليها، تقدموا بعدة توصيات تضم بين طياتها نتاج لقاح الانهزام، وتحمل في أحشائها تنمية روح الخنوع والذل في النفوس وتهيئتها لالتقام الأماني والتغذي بالأحلام.
وهي لاشك أفكار قديمة وآراء مهجورة، تقيأها غيرهم منذ زمن، فهرعوا لمضغها وإمضاغها.
لم تكن هذه الوصايا على نهج وخطى أبي الأنبياء وإمام الحنفاء عليه الصلاة والسلام من تحقيق العبودية لله وإحياء جانب الولاء والبراء.
-أولى هذه التوصيات: دعوة المسلمين حكامًا ومحكومين لمناصرة حماس، واستشهدوا بقوله سبحانه: {وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ} ، وقول النبي صلى الله عليه وسلم: (مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم ... ) .
-وثانيها: حذروا من عدم المناصرة، وأن فيها تهيئة الفرصة للصهاينة لإفشال الجهود الإسلامية الدعوية والجهادية.
-ثالثها: دعوا الفصائل والجماعات الإسلامية هناك للالتفاف حول حماس.
-ورابع هذه المهاترات والمهازل: صوروا ثوابت حماس ومبادئها؛ أنها ثوابت ومبادئ حسنة.
-خامسها: أرجعوا ظهور حماس إلى تمسكها بالجهاد الذي هو أحد ثوابتها، وأيضا بسبب رؤيتها الشرعية تجاه العدو الصهيوني، وسرهم تأكيد قيادي حركة حماس على هذه الثوابت بعد الانتخابات.
وسوف يلاحظ المتابع الخصيف - بعد عرض حقيقة حركة حماس - مدى صدق هذه التكهنات والتوقعات من كذبها، ويعرف بُعدَها وقُربها من هذه الحركة التي لم تضبط سياستها بالشرع المطهر ولم تخضعها له.
فأي سياسة لا تدور في فلك العقيدة الصحيحة وتسير وفقها؛ فهي سياسة خرقاء مآلها إلى السقوط ومردها للانحطاط.
كتبه؛ محمد بن عبد العزيز الشريف
[1] حرب الجهاد مرتكز على هؤلاء بالاشتراك مع المبشرين والمستشرقين، أهمية الجهاد، للعلياني ص 297 - 302.
[2] رواه الإمام أحمد في مسنده وأبو داود في سننه.