الصفحة 18 من 32

كذلك ما يؤتاه الإنسان من معرفة وتدبير حاله وشأنه وغير ذلك, وما يبتكره الإنسان أيضًا من صناعة وحرف وغير ذلك، أن الله عز وجل جعل في خصائص مخلوقاته ما هو أدق من الإنسان, ولهذا الإنسان يأخذ علومه كلها من مخلوقات الله عز وجل الأخرى, فهو إنما عرف الطيران من الطيور التي تطير بلا عقل, وطيرها الله سبحانه وتعالى منذ أن خلقها, وجعل هذا قائمًا ذاتيًا فيها, فعرف هذا الشيء فيها ثم أوجده, ويكفي في ضعف الإنسان أنه ما استطاع أن يشابه الحيوان إلا بعد آلاف السنين, وهو حيوان لا يفكر ولا يعقل ولكن جعل الله عز وجل فيه ذلك ذاتيًا,. من الحيوان من بصره هو أدق من الإنسان بمراحل شديدة, ومنها ما هو سمعه أدق من الإنسان بمراحل, بل إذا أراد الإنسان أن يهتدي لشيء استفاد من سمع بعض البهائم أو بصر بعض البهائم, وهي بلا عقل, دليل على أن الإنسان في ذاته مما يستكشفه من وسائل اطلاع أو بصر أو معرفة الأمد أو معرفة أيضًا دقائق السماء أو غير ذلك؛ فإن الله عز وجل يوجده في البهائم من غير عقل, أوجده خصيصة ذاتية قائمة في ذاتها من غير اكتساب, وأنت إنما أوجدتها لأن الله عز وجل أوجد فيك عقلًا يجلب إليك المعارف؛ ليتمم النقص الموجود عندك والكامل عند البهائم, وهذا يبين ضعف الإنسان، وكمال علم الله سبحانه وتعالى. ولهذا نقول: إن الإنسان لا يمكن أن يكون عارفًا لحق الله عز وجل إلا وقد عرف نفسه وعرف خالقه, وإذا اختل هذا الميزان ضل وغوى, ومن نظر إلى حال المشركين في كل زمن أو في كل حقبة يجد أنهم إنما يضلون في حق الله سبحانه وتعالى بسبب علمهم لمعظم وجهلهم للعظيم سبحانه وتعالى.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت