ولهذا ننظر إلى الذين ينفون وجود خالق, سواء كانوا من الملاحدة، أو الذين ينفون وجود خالق واحد ويجعلون ثمة خالقين متعددين, أو غير ذلك, ولكن نقول: إن من ينفي وجود خالق لهذا الكون, هؤلاء من أضعف الناس عقولًا وأكثرهم سذاجة, الإنسان في ذاته, في مدنيته وغير ذلك, وهؤلاء في الغالب أنهم ماديون, ماديون من جهة النظر إلى الحياة, وحبها, وجمالها, والنظر إلى إبداعها وصنعتها, وينظرون إلى ذلك ويستلون من علم الله سبحانه وتعالى ويبدلون ويقدمون فيه ويؤخرون، ثم يصفون ذلك الإبداع لأنفسهم وجهلوا أنهم إنما أخذوا ذلك من علم الله عز وجل وإحسانه وقوة صنعته في خلقه جل وعلا وإحكامه لذلك. الإنسان في كل ما يأخذه من علم وما يأخذه من معرفة إنما يستله من صنعة الله سبحانه وتعالى, حتى دقة الوقت والزمن, الإنسان صنع الساعة, ولكنها إذا ختلت ضبطها على الكواكب, إذا اختل ميزانها ضبطها على الكواكب, يكابر على الله سبحانه وتعالى؛ لأنه دقيق في الوقت, وصنع وقتًا زمنيًا دقيقًا, أو عرف الثانية, وعرف الأجزاء من الثانية, وعرف أجزاء الأجزاء من الثانية وغير ذلك, وهو إنما عرفها وإذا أراد أن يضبطها عند اختلالها ضبطها على ميزان الكون الذي يصيره الله عز وجل منذ أن خلقه من غير أن يختل, وهذا هو الإبداع في الصنعة, فيرجع الإنسان في ذلك إلى خالقه سبحانه وتعالى. وكذلك فإن الله عز وجل حينما يعرف نفسه لعباده يجعل من حال الإنسان أضعف من غيره ممن لم يؤته الله سبحانه وتعالى عقلًا وإدراكًا, لهذا آتى الله عز وجل الإنسان قوة, لكن جعل من الجمادات كحال الجبال والأشجار ما هي أشد قوة وبأسًا منه, فإذا أراد الإنسان أن ينزعها ما استطاع أن يزيل الجبل من مكانه؛ والسبب في ذلك أن يبين الله سبحانه وتعالى له أني أوجدت قوة في شيء جماد من غير أن يكتسب شيئًا, وأن قوتك الموجودة في ذلك لا تعني أنك على قوة أو أنك اكتسبت ذلك من تلقاء عقلك.