فهرس الكتاب

الصفحة 955 من 1890

يعني: يستوعب الفعل العمرَ كله .. بحسب الإمكان، فأول ما يقرع أذنه صلِّ مباشرة يقوم فيصلي.

إذًا: امتثل أو لا؟ امتثل، حصل الفور؟ نعم، حصل الفور. لكن الخلاف هل يقتضي الفور أو لا عند من قال بأنه لا يقتضي التكرار.

قال: (وَلِلْفَوْرِ) والمراد به: وجوب البدار إلى الفعل، ومنعِ التأخير عن أول وقت الإمكان بلا عذرٍ.

قال: {وَلِلْفَوْرِ سَوَاءٌ قِيلَ: إنَّ الأَمْرَ يَقْتَضِي التَّكْرَارَ أَوْ لاَ} وهذه التسوية فيها نظر من المصنف رحمه الله تعالى؛ لأنه أصلًا يقول: من قال بالتكرار فالأمر مسلَّمٌ، ولذلك يُنفى الخلاف بين القائلين بأنه للتكرار هل هو للفور أو لا، لا يختلفون.

كل من قال بأنه للتكرار قال: هو للفور ولا نزاع، وأما من قال بأنه ليس للتكرار حصل نزاعٌ بينهم: هل هو يقتضي التكرار أو لا؟

قال: {عِنْدَ أَحْمَدَ وَأَصْحَابِهِ، وَالْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ وَبَعْضِ الشَّافِعِيَّةِ} أنه للفور، وهذا هو الصحيح أنه يدل على الفورية؛ لدليل الشرع.

وإن كان الأصل .. قد يقال: القول هنا كالقول في سابقه: أن صيغة افعل تدل على طلب الماهية من حيث هي بقطع النظر عن تراخٍ أو فور، هذا من حيث اللغة قد يُسلَّم بهذا، لكن البحث هنا في المعنى الشرعي، حينئذٍ نقول: له معنى شرعي -صيغة افعل- وهو أن مدلوله يفيد الفورية، بمعنى أنه من جهة الشرع دلّت الأدلة على أن صيغة افعل تقتضي البدار وعدم التأخير، قال الله تعالى: (( وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ ) ) [آل عمران:133] نقول: هذا أمرٌ والأمر يقتضي الوجوب.

وقال: (( فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ ) ) [البقرة:148] هذا أمر والأمر يقتضي الوجوب، هو أمر بالمسارعة وأمر يقتضي الوجوب كما مر.

قال تعالى: (( إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ ) ) [الأنبياء:90] هذا مدحٌ، دل على الترك مقابلٌ للمدح وهو الذم، (( أُوْلَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ ) ) [المؤمنون:61] وبتركه يستحق الذم.

أيضًا من جهة اللغة: أن السيد لو أمر عبده فلم يمتثل فعاقبه لم يكن له عذرٌ بأن الأمر على التراخي، لو قال لابنه: اسقني ماء فذهب الابن، فجاءه ثاني يوم بالكأس. امتثل أو لا؟ ليس ممتثلًا، لو عاقبه في محلِّه؟ نعم في محله.

قالوا: إذًا صيغة اسقني دل على أنه يجب إيقاع الفعل بعد الصيغة، يدل على البدار وعلى الفورية.

لم يكن له عذرٌ بأن الأمر على التراخي، وذلك مفهومٌ من وضع اللغة. وقوله تعالى عن إبليس: (( مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ ) ) [الأعراف:12] قال: لو كان للفور لقال: بعدُ .. ما جاء الامتثال، (( وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا ) ) [البقرة:34] لو لم يكن على الفور وإنما هو على التراخي متى ما شاء أن يفعل، حينئذٍ له أن يقول: الأمر بعد ما .. أنا مُخيّر في الامتثال، لكن ذمّه الله عز وجل على التأخير.

فلولا الفور لكان من حجته أن يقول: أمرتني ولم تُوجب عليّ الفور فلا عتب علي.

أيضًا: لو قيل على التراخي بأنه يرجع إلى الشخص نفسه، متى ما شاء أن يوقِع الفعل أوقعه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت