{أَوْ إذَا هَبَّتْ رِيحٌ، أَوْ إنْ سَافَرَ زَيْدٌ، فَأَعْتِقُ عَبْدًا مِنْ عَبِيدِي} . هنا علقه على شرطٍ وكذلك يمكن أن يقال بأنه صفة في المعنى، لكن هذا ليس بعلة.
{فَحَصَلَ شَيْءٌ مِمَّا عَلَّقَ عَلَيْهِ الأَمْرَ، وَأَعْتَقَ عَبْدًا مِنْ عَبِيدِهِ. فَقَدْ امْتَثَلَ مَا أَمَرَ بِهِ ولا يَتَكَرَّرْ} . فلو قال: إذا هبت الريح فاعتق عبدي زيدًا، كلما هبت الريح أو هبت مرة واحدة؟ هبت مرة واحدة؛ لأن الوصف هنا: هبوب الريح ليس بعلة، فحينئذٍ لا نقول بأن العلة لها أثر في الحكم كلما وجدت وجد الحكم معها لا، وإنما هنا مجرد ارتباط فحسب لا علاقة بينهما، ليس ثَم ارتباط بين العتق وبين هبوب الريح، كما هو الشأن في الجنابة والغسل، أو السرقة والقطع. فثَم علاقة وارتباط، لكن هبوب الريح مع العتق لا علاقة بينهما، أو إن سافر زيدٌ فاعتق عبدي. لا علاقة بينهما.
إن عُلِّق الحكم على شيءٍ من المذكور حينئذٍ نقول: لا يقتضي التكرار، فإن امتثل مرة واحدة وهبت الريح مرة ثانية لا يعتق البتة، ولو سافر زيدٌ مرة ثانية وثالثة نقول: لا يعتق إلا مرة واحدة وهي المرة الأولى، ولذلك قال: (وَلَمْ يَتَكَرَّرْ بِتَكَرُّرِهِمَا) أي: الشرط والصفة اللذين ليسا بعلة.
{أَيْ: تَكَرُّرِ الشَّرْطِ الَّذِي لَيْسَ بِعِلَّةٍ ثَابِتَةٍ، وَلاَ الصِّفَةِ الَّتِي لَيْسَتْ بِعِلَّةٍ ثَابِتَةٍ} .
مفهوم المخالفة: أنه إن تعلّق بشرط هو علة أو صفة هي علة، حينئذٍ لزم منه التكرار وهو كذلك، حتى على القول السابق بأن صيغة افعل تدل على مطلق الماهية دون اعتبار مرة إلا بدلالة اللزوم، كذلك في هذا الموضع نقول: يدل على التكرار؛ لأن البحث السابق ليس هو عين هذا البحث.
البحث السابق في صيغة افعل مجردة لم تُعلَّق لا بشرطٍ ولا بصفة ولا بغيرهما، وأما البحث هذا فصيغة افعل معلَّقة، معلقة بشرطٍ على جهة الخصوص وبالصفة على جهة الخصوص.
إن كان فيهما معنى العِلِّية فالقاعدة مطردة أن الحكم يدور مع علته وجودًا وعدمًا، فيتكرر الحكم بتكرر الصفة والشرط، وإن لم يكونا كذلك فحينئذٍ لا يقتضي التكرار.
ولذلك قال الشارح هنا: {وَعُلِمَ مِمَّا تَقَدَّمَ أَنَّهُ إِنْ كَانَ الشَّرْطُ عِلَّةً ثَابِتَةً} يعني: مستقرة، ورتب الشارع عليها حكمًا وجعلها علة أو كالعلة.
{نَحْوُ قوله تعالى: (( وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا ) )} حينئذٍ كلما وُجدت الجنابة وُجد الأمر بالطهارة، هذا واضح بين.
{أَوْ كَانَتْ الصِّفَةُ عِلَّةً ثَابِتَةً نَحْوُ قوله تعالى: (( وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا ) )} اقطعوا نقول: هذا أمرٌ، هل يقتضي التكرار؟ نقول: نعم في هذه الصيغة يقتضي التكرار؛ لأنه عُلِّق على وصفٍ، كلما وجد هذا الوصف أو السرِقة وجد الحكم.
بعضهم يرى أنه لا يدل على التكرار، هل تأتي مشكلة؟ يعني: نمتثل في السارق الأول ثم البقية ماذا نصنع؟ ارتفع الحكم الشرعي، نأتي بأحكام؟
من قال بأنه لا يقتضي التكرار في هذا الموضع قال: الحكم مطردٌ فيه بالقياس.