إذ لا توجد الماهية بأقل منها فيُحمل عليها، إذ لا وجود للماهية إلا في الفرد لا من جهة أنها مدلول اللفظ؛ إذ مدلول اللفظ حينئذٍ القدر المشترك الذي يكون وجوده وجودًا ذهنيًا، وهو الطلب -طلب الماهية- المتحقق في المرة، وفي ما زاد عليها، لكنه لا يدل عليها بالوضع وإنما يدل على المرة فحسب بالالتزام. وهذا القول هو الراجح .. الذي يدل عليه النص.
{وَقِيلَ: يَقْتَضِي فِعْلَ مَرَّةٍ بِلَفْظِهِ وَوَضْعِهِ} .
يعني: يقابل التكرار، فصيغة افعل وضع لإيجاد الماهية ووضع باعتبار دلالته على الفرد الخارجي وضعًا واحدًا، حينئذٍ وضع مرة واحدة: للمعنى الذهني وهو طلب الماهية وإيجادها في الخارج، ووضع كذلك مراعاة وملاحظة للفرد الخارجي لا بالالتزام.
هذا الفرق بين القول هذا والقول السابق، قلنا الصواب: هو ما ذكره المصنف هنا.
لكن قوله: (وَفِعْلِ الْمَرَّةِ بِالِالْتِزَامِ) إنما يفرّع على القول الثاني لا على القول الثالث.
{وَقِيلَ: يَقْتَضِي فِعْلَ مَرَّةٍ بِلَفْظِهِ وَوَضْعِهِ} .
يعني مدلوله نفس المرة؛ لأنها هي المتيقن، وعلى هذين القولين يُحمل على التكرار بقرينة. يعني: الأصل .. إذا كان الأصل فيه طلب الماهية، والمرة من لوازمه، إذًا: متى نحمله على التكرار؟ بقرينة، إن لم ترد قرينة فحينئذٍ يُحمل على المرة الواحدة.
والثاني كذلك مثله، ما كان مدلوله المرة حينئذٍ نقول: يُحمل على التكرار بقرينة، لكن الفرق بينهما من حيث الدلالة، ما دل على الفرد بالتزام فاستعماله فيه مجازًا، وعلى الثاني يُعتبر حقيقة؛ لأنه وُضع له.
قال رحمه الله تعالى: (وَمُعَلَّقٌ بِمُسْتَحِيلٍ لَيْسَ أَمْرًا) .
{نَحْوُ: صَلِّ إنْ كَانَ زَيْدٌ مُتَحَرِّكًا سَاكِنًا} . هل يسمى أمرًا أو لا؟ لا يسمى أمرًا؛ لأن الأمر هو الممكن، ومر معنا القاعدة: أنه لا تكليف بما لا يطاق .. التكليف بالمحال هذا محال، فلا يأتي به الشرع.
(وَمُعَلَّقٌ) بأمرٍ أو بفعلٍ أو بشيءٍ مُسْتَحِيلٍ وجوده في الخارج هذا لا يسمى أمرًا.
{نَحْوُ: صَلِّ إنْ كَانَ زَيْدٌ مُتَحَرِّكًا سَاكِنًا} . متحركًا ساكنًا جمع بين النقيضين، وعلّق عليه صلِّ، فحينئذٍ لا يكون أمرًا.
{لأَنَّهُ كَقَوْلِهِ: كُنْ الآنَ مُتَحَرِّكًا سَاكِنًا. ذَكَرَهُ ابْنُ عَقِيلٍ} .
ثم قال: (وَبِشَرْطٍ أَوْ صِفَةٍ لَيْسَا بِعِلَّةٍ) يعني: يفيد التكرار، هذه الجملة عطف على قوله: (لِتَكْرَارٍ حَسَبِ الْإِمْكَانِ) حينئذٍ ما كان معلقًا بشرطٍ أو صفة نقول: هو ليس من مطلق الأمر، وإنما هو من الأمر المقيد بقيد، فحينئذٍ يُنظر في هذا القيد: هل هو شرطٌ أو صفة؛ بحيث يمكن أن يقال: إن الحكم يدور مع علته وجودًا وعدمًا أو لا؟
فإن كان حينئذٍ اقتضى التكرار ولا إشكال فيه، وأما إن لم يكن فحينئذٍ يقتضي المرة الواحدة.
قال هنا: {وَأَمْرٌ مُعَلَّقٌ بِشَرْطٍ أَوْ صِفَةٍ لَيْسَا بِعِلَّةٍ} إذًا: الشرط قد يكون علة كقوله: (( وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا ) ) [المائدة:6] والصفة قد تكون علة كقوله: (( وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ ) ) [المائدة:38] وقد لا يكونان علة كقوله: {إذَا مَضَى شَهْرٌ} . علَّقه على الشهر، الشهر ليس بعلة.