(مَا اخْتَصَّ مِنْ أَفْعَالِهِ) . الخصائص: هي ما لم يشاركه غيره من أمته صلى الله عليه وسلم، يعني: فعلٌ أو قولٌ أو إن شئت قل: عبادة، اختص بها النبي صلى الله عليه وسلم دون غيره من أمته.
(مَا اخْتَصَّ مِنْ أَفْعَالِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِهِ فَوَاضِحٌ) .
يعني: {فَكَوْنُهُ مِنْ خَصَائِصِهِ صلى الله عليه وسلم وَاضِحٌ} لا يحتاج إلى التنصيص عليه.
لأَنَّ الرَّسُول اللَّهِ صلى الله عليه وسلم له خَصَائِص كَثِيرَة وأفْردَها بعضهم بِالتَّصَانِيفِ.
{قَالَ الإِمَامُ أَحْمَدُ رحمه الله تعالى: خُصَّ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم بِوَاجِبَاتٍ وَمَحْظُورَاتٍ وَمُبَاحَاتٍ وَكَرَامَاتٍ} .
لكن ينبغي أن يُعلم بالإجماع، وإن كان هذا إجماع يدّعونه فقط أما عمليًا فلا يلتفتون إليه: أنه لا يجوز ادعاء شيء أنه من خصائص النبي صلى الله عليه وسلم إلا بدليل.
يعني: أن يأتي نص كقوله: (( خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ ) ) [الأحزاب:50] يعني: غيرك لا يشاركك في هذا الحكم، أو يقول: كما قال النبي صلى الله عليه وسلم في سرد الصوم، وما عدى ذلك فالأصل التشريك.
حينئذٍ نقول في مسألة خصائص النبي صلى الله عليه وسلم نقول: الأصل فيها التشريك، إلا إذا دل دليل بأنه خاص بالنبي صلى الله عليه وسلم.
ينبني على هذا فساد القاعدة التي يسير عليه كثير من الأصوليين، ومنهم الشوكاني رحمه الله تعالى وهي: أنه كلما تعارض قول وفعل قال: الفعل خاص به والقول بأمته، ولو لم يرد نص على التخصيص، نقول: هذا فاسد؛ لأن الأصل الاقتداء، ولأن الأصل التأسي، ولأن الأصل المشاركة. ما كُلِّف به النبي صلى الله عليه وسلم فهو لأمته، وما كُلِّفت به أمته فهو له صلى الله عليه وسلم، فالأصل المساواة.
فلا ندعي بأن هذا له وهذا لأمته إلا بدليل واضح بيّن، وأما مجرد أوهام ومجرد عدم توفيق بين النصوص نقول: هذا لا يكون مسلكًا محمودًا، وكثيرًا ما الشوكاني يفعله في نيل الأوطار وغيره. إذا تعارض قولٌ وفعلٌ ولم يمكن الجمع قال: هذا له صلى الله عليه وسلم وهذا لأمته، نقول: هذا فاسد، أين الدليل على أنه من خصائصه؟
ما فعله صلى الله عليه وسلم من كونه استدبر الكعبة مثلًا في بيته، نقول: هذا له ولأمته، كونه يُدَّعى بأنه من خصائص النبي صلى الله عليه وسلم. هذا يحتاج إلى دليل، ولا دليل.
إذًا: نأخذ قاعدة في قوله: (مَا اخْتَصَّ مِنْ أَفْعَالِهِ) إنما يكون اختصاصه بدليل واضح بين، وأما مجرد عدم إمكان الجمع بين الأدلة، فندعي بأنه من خصائصه؟ نقول: هذا فاسد ولا اعتبار به؛ لأنه مخالف للأصل والقاعدة العامة، وهو: أن الأصل المساواة والتأسي.
(مَا اخْتَصَّ مِنْ أَفْعَالِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِهِ فَوَاضِحٌ) هذا النوع الأول.
يعني: كأنه يقول: أفعال النبي صلى الله عليه وسلم الصادرة عنه أنواع.
النوع الأول من الأفعال: خصائص النبي صلى الله عليه وسلم.
النوع الثاني: ما يسمى بالجبِلِّي، يعني: ما كان موافقًا للطبيعة والخِلقة.
كالنوم والأكل والشرب ونحو ذلك، مما يستوي فيه الناس.
(وَمَا كَانَ جِبِلِّيًّا. كَنَوْمٍ) .
(وَمَا) يعني: فعلٌ.