(كَانَ جِبِلِّيًّا) يعني: منسوب إلى الجبلة وهي الطبيعة.
(كَنَوْمٍ) {وَاسْتِيقَاظٍ وَقِيَامٍ وَقُعُودٍ وَذَهَابٍ وَرُجُوعٍ وَأَكْلٍ وَشُرْبٍ وَنَحْوِ ذَلِكَ}
قال: (فَمُبَاحٌ) .
يعني: ليس من أفعال التشريع، فلا يُنسب إلى الشريعة، وإذا قيل: مباح، حينئذٍ هل ُيتأسى به أو لا؟ قولان.
بمعنى: أنه لا يُمنع التأسي به في ذلك، على كونه كذلك مباح.
قال: {فَمُبَاحٌ قَطَعَ بِهِ الأَكْثَرُ، وَلَمْ يَحْكُوا فِيهِ خِلافًا} بل الصواب فيه خلاف.
قال: {وَلَمْ يَحْكُوا فِيهِ خِلافًا؛ لأَنَّ ذَلِكَ لَمْ يُقْصَدْ بِهِ التَّشْرِيعُ} .
لكن هل ورد نص من كون أفعال النبي صلى الله عليه وسلم يُنظر فيها قُصد بها التشريع أو لا؟ هل عندنا شيء من الكتاب والسنة يدل على ذلك؟
ليس فيه إلا استنباط الأصوليين فحسب؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم بُعث لبيان التشريعات، لكن جاءت الأدلة العامة في الكتاب والسنة على الاقتداء مطلقًا دون تفصيل، ولا شك أن اللفظ العام إذا لم يُستفصل عنه أو يفصِّل فيه النبي صلى الله عليه وسلم فالأصل حمله على عمومه.
قال: (( واتبعوه ) )، قال: (( أطيعوا الرسول ) )، قال: (( أسوة حسنة ) )فدل على العموم، ورأينا الصحابة كذلك أنهم يتأسون بالنبي صلى الله عليه وسلم حتى في حبه للدُّباء ونحوه.
نقول هنا: الأصل فيه التأسي، لكن المصنف هنا يقول: حكوا أنه مباح وقطعوا به، وَلَمْ يَحْكُوا فِيهِ خِلافًا.
قال هنا: {لأَنَّ ذَلِكَ لَمْ يُقْصَدْ بِهِ التَّشْرِيعُ} نقول: هذا التعليل يحتاج إلى نقل؛ لأنه تعليل سينبني عليه حكم شرعي، فنحتاج إلى بيان مأخذ هذه العلة؛ لأنه إذا ثبت أن الحكم تشريع، أو أن الفعل قُصد به التشريع، جاء التأسي، وإذا انتفت العلة انتفى الحكم. فنحتاج إلى دليل وليس عندنا دليل.
بل الأدلة على خلاف ذلك، التفصيل في أفعال النبي صلى الله عليه وسلم قُصد به التشريع أو لم يُقصد به التشريع. نقول: هذا اجتهاد من الأصوليين وليس عليه دليل من كتاب أو سنة.
{وَلَمْ نُتَعَبَّدْ بِهِ، وَلِذَلِكَ نُسِبَ إلَى الْجِبِلَّةِ. وَهِيَ الْخِلْقَةِ، لَكِنْ} قال المصنف رحمه الله بعدما بيّن أنه مباح: {لَكِنْ} يعني: كأنه استحضر أن الصحابة قد يتأسون به في بعض هذه المواضع، فما استطاع أن يعدل عن ذلك.
قال: {لَكِنْ لَوْ تَأَسَّى بِهِ مُتَأَسٍّ فَلا بَأْسَ} لا مانع منه، لكن يكون التأسي هنا تشريعٌ أو لا؟ لا شك أنه تشريع.
{كَمَا فَعَلَ ابْنُ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، فَإِنَّهُ كَانَ إذَا حَجَّ يَجُرُّ بِخِطَامِ نَاقَتِهِ حَتَّى يُبْرِكَهَا حَيْثُ بَرَكَتْ نَاقَتُهُ صلى الله عليه وسلم تَبَرُّكًا بِآثَارِهِ} اقتداءً بأفعاله صلى الله عليه وسلم، به هو وكذلك بناقته، هذا كمال في التأسي والاتباع.
حصل من صحابي أو لا؟ نعم حصل من صحابي، حينئذٍ كيف يُمنع من التأسي بالنبي صلى الله عليه وسلم في الأفعال الجبلية؟ قالوا: الأصل الإباحة ولا مانع من التأسي.
وَإِنْ تَرَكَهُ لاَ رَغْبَةً عَنْهُ، وَلاَ اسْتِكْبَارًا فَلاَ بَأْسَ.
وَنَقَلَ ابْنُ الْبَاقِلاَّنِيِّ وَالْغَزَالِيُّ قَوْلًا: أَنَّهُ يُنْدَبُ التَّأَسِّي بِهِ.