إذًا: ما يخل بالعدالة ومنه وقوع الكبيرة أو ما يوجب خسة ودناءة، أو يسقط المروءة. هذا يجب نفيه.
قال هنا: وهل مستند المنع السمع أو العقل؟
مبني على التحسين والتقبيح، والجمهور على الأول يعني: مبنيٌ على السمع .. الدليل، والمعتزلة على الثاني.
إذًا: وقوع الكبيرة ممنوع؛ لأنه يخل بالعدالة، وإن كان لا يخل بصدق المعجزة.
قال .. القول الثاني: وَأَمَّا جَوَازُ وُقُوعِ ذَلِكَ سَهْوًا فَفِيهِ قَوْلاَنِ:
أَحَدُهُمَا: وَهُوَ قَوْلُ الْقَاضِي مِنْ أَصْحَابِنَا وَالأَكْثَرِ: أَنَّهُ يَجُوزُ ذَلِكَ. وَاخْتَلَفَ كَلامُ ابْنُ عَقِيلٍ فِي ذَلِكَ.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: وَهُوَ الْمُشَارُ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ (وَفِي وَجْهٍ سَهْوًا) .
(وَفِي وَجْهٍ) يعني: المقدم غيرُهُ، (سَهْوًا) يعني: يجوز أن يقع منه ذلك سهوًا، والمقدم هو عدم جواز ذلك ولو سهوًا.
وَفِي وَجْهٍ سَهْوًا أَنَّهُ لاَ يَجُوزُ ذَلِكَ عَلَيْهِ سَهْوًا، وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ أَبِي مُوسَى.
وَأَمَّا جَوَازُ وُقُوعِ الصَّغِيرَةِ الَّتِي لاَ تُوجِبُ خِسَّةً وَلا إسْقَاطَ مُرُوءَةٍ عَمْدًا أَوْ سَهْوًا. فَفِيهِ قَوْلاَنِ:
أَحَدُهُمَا: جَوَازُ وُقُوعِ ذَلِكَ، وَهُوَ قَوْلُ الْقَاضِي وَابْنِ عَقِيلٍ وَالأَشْعَرِيَّةِ، وَالْمُعْتَزِلَةِ وَغَيْرِهِمْ.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: وَهُوَ الْمُشَارُ إِلَيْهِ بِقَوْلِهِ: وَمِنْ صَغِيرَةٍ مُطْلَقًا. عَدَمُ الْجَوَازِ، وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ أَبِي مُوسَى مِنْ أَصْحَابِنَا.
إذًا: ما لا يخل بصدقه فيما دلت عليه المعجزة، إما أن يكون كبيرة أو صغيرة، الكبيرة بالإجماع، وما يوجب خسة أو إسقاط مروءة عمدًا، كذلك بالإجماع.
الصغيرة فيها قولان، قدم المصنف هنا: (وَمِنْ صَغِيرَةٍ مُطْلَقًا) .
يعني: كذلك هو معصومٌ من وقوع الصغائر مطلقًا.
وَقَالَ: يَجُوزُ الْهَمُّ لاَ الْفِعْلُ.
وَمَنَعَ الأُسْتَاذُ أَبُو إِسْحَاقَ الإسْفَرايِينِيّ وَجَمْعٌ مِنْ أَصْحَابِنَا، وَغَيْرُهُمْ مِنْ الذَّنْبِ مُطْلَقًا، كَبِيرًا أَوْ صَغِيرًا، عَمْدًا أَوْ سَهْوًا، أَخَلَّ بِصِدْقِهِ أَوْ لاَ.
وَهُوَ اخْتِيَارُ أَبِي الْمَعَالِي فِي الإِرْشَادِ وَالْقَاضِي عِيَاضٍ وَأَبِي بَكْرٍ وَابْنِ مُجَاهِدٍ وَابْنِ فُورَكٍ. نَقَلَهُ عَنْهُ ابْنُ حَزْمٍ فِي الْمِلَلِ وَالنِّحَلِ، وَابْنِ حَزْمٍ وَابْنِ بُرْهَانٍ فِي الأَوْسَطِ، وَنَقَلَهُ فِي الْوَجِيزِ عَنْ اتِّفَاقِ الْمُحَقِّقِينَ أنه لا يقع ذنبٌ مطلقًا.
يعني: لا نحتاج إلى التفصيل هذا، وإنما نقول: لا يقع مطلقًا لا كبيرة ولا صغيرة، لا عمدًا ولا سهوًا، لا ما يخل بالرسالة وما لا يخل. وهذا قول وجيه، إلا أنه يشكل عليه بعض الآيات المصرحة بالتوبة في حق النبي صلى الله عليه وسلم.
ولذلك المرجح: أنه يُحمل على ظاهره، ويُحمل على الصغائر دون الكبائر، أما الكبائر فهي محل إجماع، فحينئذٍ يُحمل على ما اختلف فيه فيقال: الصغيرة قد تقع من النبي صلى الله عليه وسلم لكن لا يُقر عليها وإنما يرجع مباشرة ويستغفر ويتوب.