هنا يأتي الكذب، يقول هو لم ينسى لكنه تعمد النسيان ليبين الأحكام، فقال: لكني نسيت. هذا الكذب.
نقول: لا. لا يرد منه صلى الله عليه وسلم ذلك، وإنما ينسى بالفعل لأنه بشر، ولذلك علل قال: > إذًا: بشرٌ مثلكم، فأنْسَى كَمَا تَنْسَوْنَ وأُخطئ كما تخطئون، لكن ما ترتب عليه يُبَيَّن.
قال: وَلأَنَّ الأَفْعَالَ الْعَمْدِيَّةَ تُبْطِلُ الصَّلاةَ. وَالْبَيَانُ كَافٍ بِالْقَوْلِ. فَلاَ ضَرُورَةَ إلَى الْفِعْلِ.
وَذَكَرَ الْقَاضِي عِيَاضٌ وَغَيْرُهُ الْخِلافَ فِي الأَفْعَالِ، وَأَنَّهُ لاَ يَجُوزُ فِي الأَقْوَالِ الْبَلاغِيَّةِ إجْمَاعًا. وَمَعْنَاهُ كذلك لابْنِ عَقِيلٍ فِي الإِرْشَادِ. فَإِنَّهُ قَالَ: الأَنْبِيَاءُ لَمْ يُعْصَمُوا مِنْ الأَفْعَالِ فِي نَفْسِ الأَدَاءِ، فَلا يَجُوزُ عَلَيْهِمْ الْكَذِبُ فِي الأَقْوَالِ فِيمَا يُؤَدُّونَهُ عَنْ اللَّهِ تَعَالَى، وَلاَ فِيمَا شَرَعَهُ مِنْ الأَحْكَامِ عَمْدًا وَلاَ سَهْوًا وَلاَ نِسْيَانًا.
وَمَنْ قَالَ بِالْوُقُوعِ فَإِنَّهُ يَقُولُ: لاَ يُقَرُّ عَلَيْهِ إجْمَاعًا.
إذًا: هل يقع غلطًا وسهوًا؟ فيه قولان، والصحيح: أنه لا يقع، والثاني: أنه يقع، وإذا وقع لا يُقر عليه إجماعًا.
قال في التحرير: بل يُعلم به، قال الأكثر على الفور، وقيل: مدة حياته.
إذًا: ما يُخل بدلالة صدق المعجزة على صدقه. هذا لا يقع.
ثم قال: (وَمَا لاَ يُخِلُّ) .
إذًا: عندنا ما يخل وما لا يخل.
{وَأَمَّا مَا لاَ يُخِلُّ بِصِدْقِهِ فِيمَا دَلَّتْ عَلَيْهِ الْمُعْجِزَةُ} .
(فَمِنْ كَبِيرَةٍ) يعني: فهو معصومٌ من كبيرة، فيه تفصيل بين الكبائر وبين الصغائر.
أما الكبائر فهو معصوم منها، وأما الصغائر فحكى المصنف فيها قولين.
قال: (وَمَا لاَ يُخِلُّ) .
يعني: وأما (مَا) أي: معصية ونحوها لا يُخِلُّ بِصِدْقِهِ فِيمَا دَلَّتْ عَلَيْهِ الْمُعْجِزَةُ.
(فَمِنْ كَبِيرَةٍ) يعني: {فَهُوَ مَعْصُومٌ فِيهِ مِنْ وُقُوعِ كَبِيرَةٍ إجْمَاعًا} هذا إجماعٌ ثاني.
ما تعمد فعله مما يخل بالرسالة محل إجماع، ما لا يُخل وقوع كبيرة كذلك مجمعٌ عليه.
{وَلاَ عِبْرَةَ بِخِلافِ الْحَشْوِيَّةِ وَبَعْضِ الْخَوَارِجِ} يعني: فيما جوزوا وقوع الكبيرة من الأنبياء.
قال: (وَمَا يُوجِبُ خِسَّةً أَوْ إِسْقَاطَ مُرُوءَةٍ عَمْدًا وَفِي وَجْهٍ سَهْوًا) .
يعني: {وَكَذَا هُوَ مَعْصُومٌ مِنْ فِعْلِ مَا يُوجِبُ خِسَّةً} الخسة هي الدناءة، يقال الخسيس: الدنيء.
(أَوْ إِسْقَاطَ مُرُوءَةٍ عَمْدًا) {قَالَ فِي شَرْحِ التَّحْرِيرِ: وَقَدْ قَطَعَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا بِأَنَّ مَا يُسْقِطُ الْعَدَالَةَ لاَ يَجُوزُ عَلَيْهِ} .
لأنه يتورع منه الأتقياء من أمته، فهو أولى عليه الصلاة والسلام.
وَقَدْ قَطَعَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا بِأَنَّ مَا يُسْقِطُ الْعَدَالَةَ لاَ يَجُوزُ عَلَيْهِ.
قَالَ ابْنُ مُفْلِحٍ: وَلَعَلَّهُ مُرَادُ غَيْرِهِ.
قُلْت: بَلْ يَتَعَيَّنُ أَنَّهُ مُرَادُ غَيْرِهِ.
يعني: ما يُسقط العدالة يجب منعه، قال ابن مفلح: لعله. من باب الترجي، أنه هو مراد أهل العلم ممن جوزوا ذلك، قال: لا. يتعين أن يكون هو المراد.