إذًا: تعمُّد الكذب في الرسالة والتبليغ بالإجماع ممنوع، فلا خلاف فيه بين أهل العلم.
واختُلف في جواز وقوع الكذب منهم غلطًا وسهوًا، ولذلك نص المصنف على التعمُّد.
الإجماع منعقد على التعمد، وأما ما عداه من الغلط والسهو هذا مختلف فيه. لكنه لم يقع قطعًا.
(وَلَا يَقَعُ غَلَطًا وَسَهْوًا) يعني: الكذب لم يقع أبدًا من الأنبياء لا عمدًا وهذا محل إجماع، ولا غلطًا ولا سهوًا على الصحيح، وهو الصحيح؛ لأن كل ما يخل بالرسالة والتبليغ فهو مخل بالدين، فحينئذٍ يجب انتفاءه، ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب.
فيجب القول بعدم جواز وقوع الكذب مطلقًا سواء كان عمدًا وهذا محل إجماع، أو غلطًا أو سهوًا، فما قدمه المصنف هنا هو الراجح.
إذًا: {وَلا يَقَعُ مَا يُخِلُّ بِصِدْقِهِ لاَ غَلَطًا وَلاَ سَهْوًا عِنْدَ الأَكْثَرِ} .
قال ابن حمدان: هو معصوم فيما يؤدي عن الله تعالى، وليس معصومًا في ذلك من الخطأ والزلل والنسيان والسهو والصغائر في الأشهر فيها.
{قَالَ الْقَاضِي عَضُدُ الدِّينِ: وَأَمَّا الْكَذِبُ غَلَطًا. فَجَوَّزَهُ الْقَاضِي -يَعْنِي الْبَاقِلاَّنِيَّ- وَمَنَعَهُ الْبَاقُونَ، لِمَا مَرَّ مِنْ دَلاَلَةِ الْمُعْجِزَةِ عَلَى الصِّدْقِ} .
ومن قال بجوازه قال: لا يُقر عليه، بل يُنبَّه مباشرة وقيل مدة حياته، لكن الصواب أنه لا يقع، لماذا؟ لعموم الأدلة الدالة على صدق الأنبياء مطلقًا، ولم يأت التفصيل في العمد وغيره.
{قَالَ ابْنُ مُفْلِحٍ فِي أُصُولِهِ: وَلِلْعُلَمَاءِ فِي جَوَازِهِ} يعني: الكذب غَلَطًا وَنِسْيَانًا قَوْلانِ. بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْمُعْجِزَةَ هَلْ دَلَّتْ عَلَى صِدْقِهِ فِيهَا؟ وَاخْتَلَفَ فِيهِ كَلامُ ابْنِ عَقِيلٍ.
وَحَاصِلُهُ: أَنَّ دَلالَةَ الْمُعْجِزَةِ: هَلْ دَلَّتْ عَلَى صِدْقِهِمْ مُطْلَقًا فِي الْعَمْدِ وَالسَّهْوِ وهو الصحيح {أَوْ مَا دَلَّتْ إِلاَّ عَلَى مَا صَدَرَ عَنْهُمْ عَمْدًا؟} الأول هو المقدم.
وَتَأَوَّلَ مَنْ مَنَعَ الْوُقُوعَ الأَحَادِيثَ الْوَارِدَةَ فِي سَهْوِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم بِأَنَّهُ قَصَدَ بِذَلِكَ التَّشْرِيعَ. كَمَا فِي حَدِيثِ بِالْبِنَاءِ لِلْمَفْعُولِ.
وَمِنْهُمْ مَنْ تَأَوَّلَ هَذَا بِأَنَّهُ تَعَمَّدَ ذَلِكَ لِيَقَعَ النِّسْيَانُ فِيهِ بِالْفِعْلِ.
أما النسيان وما قد يترتب عليه فهذا لا شك أنه يقع، وليس هو الكذب عمدًا أو غلطًا، وإنما النسيان شيءٌ آخر، وقد نص النبي صلى الله عليه وسلم على أنه ينسى، ولذلك قال: فدل على أن ذلك النسيان لا يخل بالرسالة، ولا يخل بوصف كونه نبيًا صلى الله عليه وسلم، دل ذلك على أن النسيان غير الكذب.
وما بُني على النسيان حينئذٍ لا يقال بأنه يسمى كذبًا، وإن كان قد يسمى كذبًا في لسان العرب.
قال هنا: {وَمِنْهُمْ مَنْ تَأَوَّلَ هَذَا بِأَنَّهُ تَعَمَّدَ ذَلِكَ لِيَقَعَ النِّسْيَانُ فِيهِ بِالْفِعْلِ وَهُوَ خَطَأٌ، لِتَصْرِيحِهِ صلى الله عليه وسلم بِالنِّسْيَانِ فِي قَوْلِهِ .. } .