{لَمَّا ذَكَرَ أَنَّ الْقُرْآنَ كَلاَمٌ مُنَزَّلٌ احْتَاجَ إلَى تَبْيِينِ مَوْضُوعِ لَفْظِ الْكَلاَمِ وَمَا يَتَنَاوَلُهُ لَفْظُ الْكَلاَمِ حَقِيقَةً. وَتُسَمَّى هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ مَسْأَلَةَ الْكَلاَمِ, وَهِيَ أَعْظَمُ مَسَائِلِ أُصُولِ الدِّينِ} .
ومذهب الإمام أحمد إمام أهل السنة وأصحابه، بل هو إجماع السلف .. ليس خاصًا بالإمام أحمد، إجماع السلف: أن الكلام هو اللفظ والمعنى معًا. ز أن الكلام مسماه اللفظ والمعنى معًا، فليس مشتركًا بين العبارة ومدلولها، بل الكلام حقيقة: هو الحروف المسموعة من الصوت، ولذلك قال: (وَالْكَلَامُ حَقِيقَةً) يعني: في الاستعمال الحقيقي لا مجازي، فهو المتبادر إلى الذهن عند إطلاقه، فلا ينصرف إلا إلى الأصوات والحروف (وَالْكَلَامُ حَقِيقَةً: الْأَصْوَاتَ وَالْحُرُوفَ) (الْأَصْوَاتَ) : جمع صوت، وسيعرفه المصنف، (وَالْحُرُوفَ) : يعني التي تألفت منها الكلمات؛ لأنه لا يتألف الكلام إلا من حروف .. الكلمة نفسها.
{قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ} -ابن تيمية رحمه الله تعالى-: {الْمَعْرُوفُ عَنْ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْحَدِيثِ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَتَكَلَّمُ بِصَوْتٍ} صوت يُسمع- {وَهُوَ قَوْلُ جَمَاهِيرِ فِرَقِ الآمَّةِ} يعني: المختلفة.
الفِرَق: المراد بها المختلفة، {فَإِنَّ جَمَاهِيرَ الطَّوَائِفِ يَقُولُونَ: إنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَتَكَلَّمُ بِصَوْتٍ, مَعَ تَنَازُعِهِمْ فِي أَنَّ كَلاَمَهُ هَلْ هُوَ مَخْلُوقٌ أَوْ قَائِمٌ بِنَفْسِهِ قَدِيمٌ أَوْ حَادِثٌ} .
يعني: كأنهم أجمعوا على هذا التعبير، وإلا في حقيقته فهم متنازعون، كون الباري يتكلم بصوت"إن الله تعالى يتكلم بصوت"هذا التركيب تكلم به طوائف متعددة، وإن اختلفوا في المفهوم، ولذلك نقول: أهل السنة والجماعة يثبتون صفة الكلام، والأشاعرة يثبتون صفة الكلام، بل حتى الجهمية يثبتون صفة الكلام، لكن إذا جيء إلى تفسير حقيقة الكلام، هنا وقع النزاع، وليست العبرة بدعوى أن الله تعالى يتكلم فحسب، وإنما نقول: الله تعالى يتكلم بكلام يليق بجلاله، وهو الذي إذا أُطلق في الكتاب والسنة انصرف إليه، وهو اللفظ والمعنى معًا، دون أن يعبّر بأحدهما على الآخر، ودون أن يكون هذا الكلام منفصلًا أو مخلوقًا عن الباري جل وعلا.
قال هنا: {أَوْ مَا زَالَ يَتَكَلَّمُ} إذا شاء، فعلى هذا: فصوته صفة من صفاته جل وعلا، إذا قلنا أن الله تعالى يتكلم بكلام والكلام له صوت، حينئذٍ نقول: الصوت هذا صفة من صفات الباري جل وعلا، كما أن الكلام صفة من صفات الباري جل وعلا.
{فَعَلَى هَذَا فَصَوْتُهُ صِفَةٌ مِنْ صِفَاتِ ذَاتِهِ لا يُشْبِهُ صَوْتَ غَيْرِهِ؛ إِذْ لَيْسَ يُوجَدُ شَيْءٌ مِنْ صِفَاتِهِ فِي صِفَاتِ الْمَخْلُوقِينَ} .