فهرس الكتاب

الصفحة 604 من 1890

قول المصنف هنا: (بِنَفْسِهِ) يعني: لا بالصرفة كما ادعاه بعضهم بأن الله صرفهم عن أن يأتوا بمثله، أما في الأصل فإنهم قادرون على أن يأتوا بمثله وهذا باطل؛ لأن القرآن كلام الله وصفة من صفاته، وليس كمثله شيء، فلا يمكن أن يأتي أحد بمثله أبدًا، وهو مخلوق، وليس ذلك للصرفة من الله تعالى لهم عن معارضته، بل لأنهم عاجزون من أصله لا يستطيعون أن يأتوا بمثل هذا القرآن.

فقوله: (مُعْجِزٌ بِنَفْسِهِ) يعني: لا بالصِّرفة.

وقوله: (مُعْجِزٌ بِنَفْسِهِ) يشمل كذلك الآية، ولذلك أطلق المصنف هنا وسيأتي.

قال: (مُتَعَبَّدٌ بِتِلاوَتِهِ) ما المراد بقوله: (مُتَعَبَّدٌ بِتِلاوَتِهِ) ؟

أي: أن تلاوة القرآن عبادة، فهي مطلوبة يثاب عليها، والتعبد بتلاوته هل هذا داخل في حقيقة القرآن أو حكم من أحكامه؟ حكم من أحكامه.

ولكن ذكره هنا في الحد، قد يقال بأنه من باب التتميم، وقد يقال من باب التمييز، ليتميز عن غيره؛ لأن غير كلام الله تعالى لا يُتعبد بتلاوته، حتى السنة لا نتعبد بتلاوتها، وإنما لاستنباط الأحكام فقط، يعني: تتعبد بتلاوته: أن تقرأ من أجل الأجر فقط ولو لم تفهم حرفًا واحدًا -كعمل العوام الآن في القرآن-.

فحينئذٍ نقول: هل السنة كذلك؟ الجواب: لا، لم نُتعبد بتلاوتها، يعني: لا تُقرأ السنة من أجل طلب بركة القراءة فحسب، هذا بدعة، وليس له أصل في الكتاب والسنة، وإنما تعبد بالتلاوة هو شأن القرآن.

إذًا: التعبد بتلاوته حكم من الأحكام، والأحكام لا تدخل الحدود.

وَعِنْدَهُم مِنْ جُمْلَةِ المَرْدودِ ... أَنْ تَدْخُلَ الأَحْكامُ في الحُدُودِ

جوابه: زاده للحاجة في التمييز، يعني: تمييز القرآن بهذا الاسم عما عداه من بقية الكلام، والشيء قد يتميز بذكر حكمه لمن تصوره بأمر يشاركه فيه غيره.

قال: (مُتَعَبَّدٌ بِتِلاوَتِهِ) يعني: أبدًا {لِتَخْرُجَ الآيَاتُ الْمَنْسُوخَةُ اللَّفْظِ سَوَاءٌ بَقِيَ حُكْمُهَا أَمْ لاَ} . هي كلام الله تعالى ابتداء، لكن لا أبدًا، بمعنى أنها نسخت .. رُفع لفظها، فحينئذٍ لا يتعبد بتلاوتها.

{لأَنَّهَا صَارَتْ بَعْدَ النَّسْخِ غَيْرَ قُرْآنٍ لِسُقُوطِ التَّعَبُّدِ بِتِلاوَتِهَا. وَلِذَلِكَ لا تُعْطَى حُكْمَ الْقُرْآنِ} .

بعدما عرَّف لنا القرآن بأنه كلام الله تعالى إلى آخره قال: (وَالْكَلَامُ حَقِيقَةً الْأَصْوَاتَ وَالْحُرُوفَ) يعني: {لَمَّا ذَكَرَ أَنَّ الْقُرْآنَ كَلامٌ مُنَزَّلٌ احْتَاجَ إلَى تَبْيِينِ مَوْضُوعِ لَفْظِ الْكَلامِ} .

يعني يصدق على ماذا؟ هذا من أجل الرد على الأشاعرة، القائلين بأن الكلام إنما يصدق على المعنى النفسي فحسب دون اللفظي، ولا يدخل في مفهومه الصوت كذلك، وإنما هو المعنى النفسي، وهذا باطل، بل من أبطل الباطل، فحينئذٍ أراد أن يبين مصدق الكلام .. لفظ الكلام، يصدق على ماذا؟ هل يصدق على اللفظ دون المعنى أو المعنى دون اللفظ؟

قال: المراد به مجموع الأمرين، وهذا بإجماع أهل السنة والجماعة، هذا الذي يريد أن يقرره في المسألة الآتية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت