الأُولَى: أَنْ يُرَجَّحَ (بِقَطْعِ حُكْمِهِ) أن حُكمه مقطوع به أَيْ: بِأَنْ يَكُونَ حُكْمُ الأَصْلِ قَطْعِيًّا، فَيُقَدَّمُ عَلَى مَا كَانَ دَلِيلُ أَصْلِهِ ظَنِّيًّا.
وَالصُّورَةُ الثَّانِيَةُ: أَنْ يُرَجَّحَ (بِقُوَّةِ دَلِيلِهِ) أَيْ: بِأَنْ يَكُونَ دَلِيلُ أَحَدِ الأَصْلَيْنِ أَقْوَى، فَتَكُونُ صِحَّتُهُ أَغْلَبَ فِي الظَّنِّ.
نحن نرى أن المسألة كلها باطلة من أصلها؛ لأنه لا يوجد عندنا تعارض بين قياسين؛ لأنه إذا قيل أحدُهما صحيح فالثاني باطل، كيف يتعارض معه؟ وهذا باطل لا أصل له.
قال: وَالثَّالِثَةُ: التَّرْجِيحُ (بِأَنَّهُ) أَيْ: بِأَنْ يَكُونَ دَلِيلُ أَصْلِهِ (لَمْ يُنْسَخْ) بِالاتِّفَاقِ.
وَالرَّابِعَةُ: التَّرْجِيحُ بِكَوْنِ حُكْمِ أَصْلِهِ جَارِيًا (عَلَى سَنَنِ الْقِيَاسِ) بِالاتِّفَاقِ، فَإِنَّهُ أَرْجَحُ مِمَّا كَانَ عَلَى سَنَنِ الْقِيَاسِ الْمُخْتَلَفِ فِيهِ؛ لأَنَّ مَا كَانَ مُتَّفَقًا عَلَيْهِ كَانَ أَبْعَدَ مِنْ الْخَلَلِ.
وَالْخَامِسَةُ: التَّرْجِيحُ (بِدَلِيلٍ خَاصٍّ بِتَعْلِيلِهِ) أَيْ: بِقِيَامِ دَلِيلٍ خَاصٍّ عَلَى تَعْلِيلِهِ، وَجَوَازِ الْقِيَاسِ عَلَيْهِ، فَإِنَّهُ أَبْعَدُ مِنْ التَّعَبُّدِ وَالْقُصُورِ وَالْخِلافِ.
يعني: هذا القياس قام الدليل على أنه معلَّل، وهذا القياس لا، يحتمل التعبُّد إذًا.
إذًا: الأول مقدم على الآخر.
قال: {وَيُرَجَّحُ مَا ثَبَتَتْ عِلِّيَّتُهُ بِالنَّصِّ عَلَى مَا ثَبَتَتْ عِلَّتُهُ بِالإِجْمَاعِ. قَدَّمَهُ الأُرْمَوِيُّ وَالْبَيْضَاوِيُّ، وَإِلَى ذَلِكَ أُشِيرَ بِقَوْلِهِ} : (وَفِي قَوْلٍ: نَصٌّ، فَإِجْمَاعٌ) .
انظر هنا يقول: {مَا ثَبَتَتْ عِلِّيَّتُهُ بِالنَّصِّ} فاقتضى حُكمًا {عَلَى مَا ثَبَتَتْ عِلَّتُهُ بِالإِجْمَاعِ} .
يعني: عِلَّة مجمع عليها، وَعِلَّة منصوص عليها. كيف يأتي القياس هذا؟ وكلاهما حُكمان متناقضان، ونحتاج إلى الجمع بينهما يعني: متعارضان، كيف يأتي القياس؟
إحدى العلتين مجمع عليها، والثاني منصوصٌ عليها، إذا نُص عليها. الحكم الثابت صار بالشرعي، إذًا: المجمع عليها أجمعوا على ماذا؟ من أين أجمعوا؟
إذًا: التصوير هذا فيه نظر.
قال هنا: {وَيُرَجَّحُ أَحَدُ الْقِيَاسَيْنِ عَلَى الآخَرِ (بِقَطْعِ عِلَّتِهِ) لأَنَّ الْمَقْطُوعَ بِعِلَّتِهِ رَاجِحٌ عَلَى مَا عِلَّتُهُ مَظْنُونَةٌ} .
(أَوْ بِدَلِيلِهَا أَوْ ظَنٍّ غَالِبٍ فِيهِمَا) .
أَيْ: فِي الْعِلَّةِ، أَوْ فِي الدَّلِيلِ، فَشَمِلَ ذَلِكَ أَرْبَعَ صُوَرٍ:
الأُولَى: الْقَطْعُ بِالْعِلَّةِ يُرَجَّحُ عَلَى الظَّنِّ بِهَا.
الثَّانِيَةُ: الظَّنُّ الْغَالِبُ فِي الْعِلَّةِ يُرَجَّحُ عَلَى الظَّنِّ غَيْرِ الْغَالِبِ.
الثَّالِثَةُ: الْقَطْعُ بِدَلِيلِ الْعِلَّةِ.
الرَّابِعَةُ: الظَّنُّ الْغَالِبُ فِي دَلِيلِ الْعِلَّةِ.
فَيُرَجَّحُ الْقِيَاسُ الَّذِي يَكُونُ مَسْلَكُ عِلَّتِهِ قَطْعِيًّا عَلَى الْقِيَاسِ الَّذِي لا يَكُونُ كَذَلِكَ، وَيُرَجَّحُ الْقِيَاسُ الَّذِي يَكُونُ مَسْلَكُ عِلَّتِهِ مَظْنُونًا بِالظَّنِّ الأَغْلَبِ عَلَى مَا لا يَكُونُ كَذَلِكَ.