{وَلِحَاجَةِ الْمُشْتَرَكِ إلَى قَرِينَتَيْنِ بِحَسَبِ مَعْنَيَيْهِ، عَلَى مَعْنَى أَنَّ اسْتِعْمَالَهُ فِي كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ مَعْنَيَيْهِ يَحْتَاجُ إلَى قَرِينَةٍ مُخَصِّصَةٍ لَهُ} يعني: إذا استعمل لفظ القرء مرادًا به الحيض يحتاج إلى قرينة، وإذا استعمله في الطهر يحتاج إلى قرينة أخرى.
إذًا: قرينتان، كلٌ منهما لا بد له من قرينة.
قال هنا: {عَلَى مَعْنَى أَنَّ اسْتِعْمَالَهُ فِي كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ مَعْنَيَيْهِ يَحْتَاجُ إلَى قَرِينَةٍ مُخَصِّصَةٍ لَهُ؛ إذْ لا تَرْجِيحَ لِوَاحِدٍ مِنْ مَعْنَيَيْهِ عَلَى الآخَرِ حِينَئِذٍ، كَالْعَيْنِ، فَإِنَّهَا تَحْتَاجُ عِنْدَ اسْتِعْمَالِهَا فِي الْبَاصِرَةِ إلَى قَرِينَةٍ تُخَصِّصُهَا، وَكَذَلِكَ اسْتِعْمَالُهَا فِي الْجَارِيَةِ} قرينة أخرى مغايرة للسابقة بخلاف المجاز يحتاج إلى قرينة واحدة فقط.
بل استعماله في الحقيقة لا يحتاج إلى قرينة.
{فَإِنَّهُ يَحْتَاجُ إلَى قَرِينَةٍ وَاحِدَةٍ عِنْدَ اسْتِعْمَالِهِ فِي مَعْنَاهُ الْمَجَازِيِّ، وَلا يَحْتَاجُ إلَى قَرِينَةٍ بِالنَّظَرِ إلَى الْمَعْنَى الْحَقِيقِيِّ} "رأيتُ أسدًا"يُحمل على الحقيقة.
كَالأَسَدِ، فَإِنَّهُ يَحْتَاجُ إلَى الْقَرِينَةِ عِنْدَ اسْتِعْمَالِهِ فِي الرَّجُلِ الشُّجَاعِ، وَلا يَحْتَاجُ إلَيْهَا عِنْدَ اسْتِعْمَالِهِ فِي الْحَيَوَانِ الْمُفْتَرِسِ، وَالْمَجَازُ أَغْلَبُ وُقُوعًا.
قَالَ ابْنُ جِنِّي: أَكْثَرُ اللُّغَةِ مَجَازٌ لكن رُدَّ عليه.
وَلَيْسَ بِالْغَالِبِ فِي اللُّغَاتِ ... وَالخُلْفُ فِيْهِ لاِبْنِ جِنِّي آتِي
{وَأَيْضًا: فَهُوَ مِنْ حَيْثِيَّةِ الْبَلاغَةِ وَمَا يَتْبَعُهَا أَبْلَغُ، نَحْوَ زَيْدٌ أَسَدٌ، زَيْدٌ بَحْرٌ، وَأَوْفَقُ حينئذٍ لِلطِّبَاعِ وَأَوْجَزُ إذْ ذَاكَ} .
إذًا: مجازٌ مرجَّحٌ على المشترك، والظاهر والله أعلم العكس: أن المشترك مرجَّحٌ على المجاز؛ لأن المجاز استعمال اللفظ في غير ما وضع له، وأما المشترك فهو استعمالٌ حقيقي، وقد يوجد في الشرع بل وُجد.
فحينئذٍ إن كان بين معنيين متضادين لا بد من قرينة مرجِّحة، ولا وجود له دون قرينة في الكتاب والسنة أنه مُجمل، ولا يوجد مُجمل إلا وهو مبيَّن، وأما إذا لم يكن فحينئذٍ الأصل فيه حملُه على جميع معانيه.
(وَتَخْصِيصٌ عَلَى مَجَازٍ) .
يعني: التخصيص مقدَّمٌ على المجاز عند التعارض.
{أَنَّهُ إذَا احْتَمَلَ الْكَلامُ أَنْ يَكُونَ فِيهِ تَخْصِيصٌ وَمَجَازٌ، فَحَمْلُهُ عَلَى التَّخْصِيصِ أَرْجَحُ} .
لأنه حقيقة يعتبر والمجاز خلاف الأصل.
قَطَعَ بِهِ ابْنُ مُفْلِحٍ؛ لِتَعَيُّنِ الْبَاقِي مِنْ الْعَامِّ بَعْدَ التَّخْصِيصِ، بِخِلاَفِ الْمَجَازِ. فَإِنَّهُ قَدْ لا يَتَعَيَّنُ، بِأَنْ يَتَعَدَّدَ وَلا قَرِينَةَ تُعَيِّنُهُ.
مِثَالُهُ قَوْله تَعَالَى: (( وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرْ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ ) ).
(( اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ ) )ما المراد به؟ قيل: الذبح، وقيل: التسمية.