(وَمَجَازٌ عَلَى مَجَازٍ) يعني: وَيُرَجَّحُ مَجَازٌ عَلَى مَجَازٍ آخَرَ بِأَسْبَابٍ:
مِنْهَا: التَّرْجِيحُ بِشُهْرَةِ عَلاقَتِهِ، وَذَلِكَ بِأَنْ تَكُونَ الْعَلاقَةُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْحَقِيقَةِ أَشْهَر مِنْ الْعَلاقَةِ بَيْنَ الْمَجَازِ الآخَرِ وَالْحَقِيقَةِ.
مِثْلُ: أَنْ يَكُونَ أَحَدُهُمَا مِنْ بَابِ الْمُشَابَهَةِ، وَالآخَرُ مِنْ بَابِ اسْمِ الْمُتَعَلَّقِ.
والمشابهة لا شك أنها ألصق بالمجاز، بل قيل المجاز كله مشابهة.
(وَبِقُوَّتِهَا) .
إذًا: (بِشُهْرَةِ عَلَاقَتِهِ) فما اشتهرت علاقتُه كالمشابهة مقدَّمٌ على ما لم تشتهر علاقته كالمتعلَّق.
{وَمِنْهَا التَّرْجِيحُ} (بِقُوَّتِهَا) {أَيْ: قُوَّةِ الْعَلاقَةِ، بِأَنْ يَكُونَ مُصَحِّحُ أَحَدِ الْمَجَازَيْنِ أَقْوَى مِنْ مُصَحِّحِ الآخَرِ. كَإِطْلاقِ اسْمِ الْكُلِّ عَلَى الْجُزْءِ، وَبِالْعَكْسِ} ولا شك أن إطلاق الكل على الجزء أقوى من إطلاق الجزء على الكل.
{فَإِنَّ الْعَلاقَةَ الْمُصَحَّحَةَ فِي الأَوَّلِ: أَقْوَى مِنْ الْعَلاقَةِ الْمُصَحَّحَةِ فِي الثَّانِي} .
قال: {وَمِنْهَا التَّرْجِيحُ} (بِقُرْبِ جِهَتِهِ) {أَيْ: جِهَةِ أَحَدِ الْمَجَازَيْنِ إلَى الْحَقِيقَةِ. كَحَمْلِ نَفْيِ الذَّاتِ عَلَى نَفْيِ الصِّحَّةِ. فَإِنَّهُ أَقْرَبُ إلَيْهِ مِنْ نَفْيِ الْكَمَالِ} .
{وَمِنْهَا التَّرْجِيحُ} (بِرُجْحَانٍ عَلَى دَلِيلِهِ) دليل المجاز.
{أَيْ: بِأَنْ يَكُونَ دَلِيلُ أَحَدِ الْمَجَازَيْنِ رَاجِحًا عَلَى دَلِيلِ الْمَجَازِ الآخَرِ. وَذَلِكَ بِأَنْ تَكُونَ الْقَرِينَةُ الصَّارِفَةُ فِي أَحَدِهِمَا قَطْعِيَّةً، وَفِي الآخَرِ غَيْرَ قَطْعِيَّةٍ} .
(وَبِشُهْرَةِ اسْتِعْمَالِهِ) .
ما اشتهر استعماله مقدَّمٌ على ما لم يشتهر استعماله.
{وَذَلِكَ بِأَنْ يَكُونَ أَحَدُ الْمَجَازَيْنِ مَشْهُورَ الاسْتِعْمَالِ، فَيُقَدَّمُ عَلَى الْمَجَازِ الَّذِي هُوَ غَيْرُ مَشْهُورِ الاسْتِعْمَالِ} .
هذا إن وُجِد في الأحكام الشرعية.
قال: (وَمَجَازٌ عَلَى مُشْتَرَكٌ) .
يعني: يُقدَّم المجاز على اللفظ المشترك.
{يَعْنِي أَنَّهُ إذَا وَرَدَ اسْمٌ يُمْكِنُ حَمْلُهُ عَلَى أَنَّهُ مَجَازٌ وَعَلَى أَنَّهُ مُشْتَرَكٌ: كَانَ حَمْلُهُ عَلَى الْمَجَازِ أَرْجَحَ. صَحَّحَهُ ابْنُ مُفْلِحٍ وَغَيْرُهُ؛ لأَنَّ الاشْتِرَاكَ يُخِلُّ بِالتَّفَاهُمِ، وَلِحَاجَةِ الْمُشْتَرَكِ إلَى قَرِينَتَيْنِ} أما قوله:"يُخل بالتفاهم"ليس على إطلاقه.
يعني: هذا إذا أراد أحد المعاني ولم يُقِم قرينة صار مجملًا، وأما إذا أطلق القول وعلمنا أنه أراد الكل فحينئذٍ لا نقول أنه يخل بالتفاهم، فإطلاق اللفظ .. لأنه يأتي في الشرع، ومنه المسجد الحرام يُطلق ويراد به كذا ويراد به كذا.
نقول: إذا أطلقه ولم يقيِّده علِمنا أنه أراد جميع المعاني، فلا نقول بأنه يخل بالتفاهم.