فهرس الكتاب

الصفحة 1860 من 1890

قال: (ثُمَّ ذَا) {وَهُوَ مَا سَكَتَ عَنْهُ} (مَعَ حُضُورِهِ عَلَى) {عَلَى مَا سَكَتَ عَنْهُ} (مَعَ غَيْبَتِهِ) .

يعني: التقرير نوعان: تقريرٌ على قولٍ أو فعلٍ بحضور النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وتقريرٌ مع غيبته، الثاني متأخر عن الأول، والأول مقدمٌ على الثاني.

والظاهر أنهما سواء؛ لأن المتعلَق هنا ليس في المسكوت عنه، وإنما الكلام في سكوته هو عليه الصلاة والسلام، فسكوتُه واحد ولا يتعدد سواء كان القول والفعل بحضوره أو لم يكن بحضوره، التشريع حاصلٌ بكلا الأمرين.

فالظاهر أن المُعْتَبر هنا هو السكوت نفسُه وليس ما تعلق به السكوت.

قال: (مَعَ غَيْبَتِهِ) {وَعَلِمَ بِهِ} .

(إلاَّ مَا) {أَيْ: إلاَّ شَيْئًا وَقَعَ فِي غَيْبَتِهِ وَعَلِمَ بِهِ، وَكَانَ} (خَطَرُ السُّكُوتِ عَنْهُ أَعْظَمَ) .

هذا لا يتأتى في شأن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وإنما قد يكون في غيره، وأما النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فلا يجوز السكوت عن المنكر أبدًا، هذا محل وفاقٍ بين أهل العلم.

{قَالَ الْقُطْبُ الشِّيرَازِيُّ: يُرَجَّحُ بِسُكُوتِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَمَّا جَرَى فِي مَجْلِسِهِ عَلَى سُكُوتِهِ عَمَّا جَرَى فِي غَيْبَتِهِ، وَسَمِعَ بِهِ وَلَمْ يُنْكِرْ. اللَّهُمَّ إلاَّ إذَا كَانَ خَطَرُ مَا جَرَى فِي غَيْبَتِهِ آكَدَ وَآثَمَ مِنْ خَطَرِ مَا جَرَى فِي مَجْلِسِهِ؛ بِحَيْثُ تَكُونُ الْغَفْلَةُ عَنْهُ لِشِدَّةِ خَطَرِهِ أَبْعَدَ. فَإِنَّهُ يَكُونُ أَوْلَى} .

الصواب لا؛ لأنه يستوي، قلنا فيما سبق: أن تقرير النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يتعلق بما وقع في عصره هذا الصواب، سواءٌ كان حاضرًا بين يديه أو كان غائبًا.

لأنه لو كان غائبًا سواءٌ كان ينتشر أو لا ينتشر، إن انتشر فقد يكون بلغه وقد يكون لم يبلغه، وإن لم ينتشر فحينئذٍ علمَه الباري جل وعلا وسَكتَ عنه.

قال: (وَقَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى فِعْلِهِ) .

يعني: {يُقَدَّمُ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى فِعْلِهِ} لكن بالشروط السابقة التي ذكرناها: أنه يُحاوَل أولًا الجمع بينهما، وأما مجرد القول مقدم على الفعل مطلقًا فهذا ليس بصواب.

{يُقَدَّمُ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى فِعْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَذَلِكَ لِصَرَاحَةِ الْقَوْلِ: وَلِهَذَا اتُّفِقَ عَلَى دَلالَةِ الْقَوْلِ، بِخِلافِ دَلالَةِ الْفِعْلِ} النزاع هنا لم يحصل عند الصحابة، وإنما حصل عند المتكلمين .. عند الأصوليين المتأخرين، وأما الصحابة فلم يحصل بينهم خلافٌ في ذلك.

بل ظاهر صنيعهم في بعض الأحوال أنهم قدَّموا دلالة الفعل على دلالة القول فليُنتبه لهذا.

{لاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ الْفِعْلُ مُخْتَصًّا بِهِ} ولا خصوصية مع الاحتمال، فأين الاحتمال؟

{وَلأَنَّ لِلْقَوْلِ صِيغَةَ دَلالَةٍ، بِخِلافِ الْفِعْلِ} .

لكن كلٌ منهما تشريع، وكلٌ منهما يتعلق به الحكم الشرعي إذًا: هما سواء، القول والفعل من النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سواء.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت