وهو كذلك في الجملة، ليس على إطلاقه؛ لأنه قد ينفرد البخاري بما سندُه نازل، ومُسلمٌ بما سنده عالٍ، هل يقول أحد من المحدثين أن النازل مقدَّم على العالي؟ لا.
قد ينفرد البخاري أو مسلمٌ بسلسلة الذهب، وينفرد البخاري بشيءٍ آخر ليس من الثلاثة التي قيل أنها أصح ما رُوي به الحديث، حينئذٍ نقول: هذه القاعدة ليست على إطلاقها، وإنما هي جُمْلية. يعني: في الجملة يقدَّم ما انفرد به البخاري على ما انفرد به مسلمٌ، وليست على إطلاقها.
(فَمَا صُحِّحَ) تركَ ما كان على شرط البخاري ومسلم، وهذه مرتبة شهيرة عند أهل الحديث.
(فَمَا صُحِّحَ) يعني: {ثُمَّ يُرَجَّحُ بَعْدَ ذَلِكَ مَا صُحِّحَ مِنْ الأَحَادِيثِ عَلَى مَا لَمْ يُصَحَّحْ} وهو مقدَّمٌ.
{وَتَخْتَلِفُ مَرَاتِبُ ذَلِكَ. فَيُرَجَّحُ مَا كَانَ عَلَى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ، ثُمَّ مَا عَلَى شَرْطِ الْبُخَارِيِّ، ثُمَّ مَا عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٍ} أدخله في قوله: (فَمَا صُحِّحَ) لا إشكال فيه.
{كَمَا فَصَّلَ ذَلِكَ الْحَاكِمُ فِي مُسْتَدْرَكِهِ، ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ مَا صُحِّحَ وَلَيْسَ عَلَى شَرْطٍ وَاحِدٍ مِنْ الشَّيْخَيْنِ} .
وهذا كذلك على جهة الإجمال. يعني: ليس عندنا قاعدة مطردة كلُّ ما صحِّح على شرط البخاري ومسلم فهو مقدم على ما صح عند أبي داود أو ما صح عند النسائي لا، ليس الأمر كذلك، وإنما النظر فيه إلى السند.
قال: (فَمَرْفُوعٌ، وَمُتَّصِلٌ عَلَى مَوْقُوفٍ، وَمُنْقَطِعٍ) وهو كذلك.
المرفوع مقدمٌ على الموقوف، والمتصل مقدَّم على المنقطع. وهذا لا خلاف فيه.
{يَعْنِي ثُمَّ يُقَدَّمُ بَعْدَ ذَلِكَ الْحَدِيثُ الْمَرْفُوعُ؛ لِمَزِيَّتِهِ بِرَفْعِهِ عَلَى الْحَدِيثِ الْمَوْقُوفِ، وَيُقَدَّمُ الْحَدِيثُ الْمُتَّصِلُ لِمَزِيَّتِهِ بِالاتِّصَالِ عَلَى الْحَدِيثِ الْمُنْقَطِعِ} .
وهذا لا إشكال فيه.
(وَمُتَّفَقٌ عَلَى رَفْعِهِ، أَوْ وَصْلِهِ: عَلَى مُخْتَلَفٍ فِيهِ) وهو كذلك، هذا مقدّمٌ لا إشكال فيه، القاعدة مطردة.
{وَحَدِيثٌ مُتَّفَقٌ عَلَى رَفْعِهِ، أَوْ عَلَى وَصْلِهِ: عَلَى حَدِيثٍ مُخْتَلَفٍ فِيهِ أَيْ: فِي رَفْعِهِ أَوْ فِي وَصْلِهِ؛ لأَنَّ لِلْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ مَزِيَّةً عَلَى الْمُخْتَلَفِ فِيهِ} .
(وَرِوَايَةٌ مُتَّفِقَةٌ عَلَى) {روايةٍ} (مُخْتَلِفَةٍ أَوْ مُضْطَرِبَةٍ) وهذا صنيع الأئمة كذلك، أن ما وقع فيه الاضطراب هذا دون ما وقع فيه الاتفاق ولا شك في ذلك.
{وَتُقَدَّمُ رِوَايَةٌ مُتَّفِقَةٌ أَيْ: لَمْ يَخْتَلِفْ لَفْظُهَا وَلا مَعْنَاهَا وَلا مُضْطَرِبَةٌ عَلَى رِوَايَةٍ مُخْتَلِفَةٍ أَوْ مُضْطَرِبَةٍ مُطْلَقًا عَلَى الصَّحِيحِ} .
وانتبه: مختلفة أو مضطربة بشرط هذا عند أهل الحديث: أنه إذا لم يترجَّح، أما إذا ترجح هذا الألفاظ لا يقال فيه. هذا باعتبار الرواية.
باعتبار المروي.
قال: {وَالشَّيْءُ الثَّالِثُ: فِي الْمَرْوِيِّ} .
{فَيُقَدَّمُ} (مَا سُمِعَ مِنْهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى مُحْتَمَلٍ) .