{فَمِثَالُ الْمُشَافَهَةِ: رِوَايَةُ الْقَاسِمِ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا -وَهِيَ عَمَّتُهُ- أَنَّ بَرِيرَةَ عَتَقَتْ وَزَوْجُهَا عَبْدٌ} وهذا قريب .. الراوي قريب من عائشة.
{فَإِنَّهَا مُقَدَّمَةٌ عَلَى رِوَايَةِ الأَسْوَدِ عَنْهَا أَنَّهُ كَانَ حُرًّا لأَنَّهُ أَجْنَبِيٌّ} الأسود أجنبي، وهذا قريب، هذا جيد.
{وَمِثَالُ رِوَايَةِ الأَقْرَبِ عِنْدَ سَمَاعِهَا: رِوَايَةُ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَفْرَدَ التَّلْبِيَةَ فَإِنَّهَا مُقَدَّمَةٌ عَلَى رِوَايَةِ مَنْ رَوَى أَنَّهُ ثَنَّى؛ لأَنَّهُ رُوِيَ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ كَانَ تَحْتَ نَاقَةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَ لَبَّى} .
إذًا: هذا قريبٌ منه، فروايته تكون مقدمة.
{وَتُرَجَّحُ رِوَايَةُ أَكَابِرِ الصَّحَابَةِ -وَهُمْ رُؤَسَاؤُهُمْ- عَلَى غَيْرِهَا عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الرِّوَايَتَيْنِ، وَإِلَى ذَلِكَ أُشِيرَ بِقَوْلِهِ} (أَوْ مِنْ أَكَابِرِ الصَّحَابَةِ، فَيُقَدَّمُ الْخُلَفَاءُ الْأَرْبَعَةُ) {أَيْ رِوَايَتُهُمْ عَلَى غَيْرِهَا} .
هذا عند جمهور العلماء، وهذا يُنظر فيه، ليس على إطلاقه أيضًا.
{وَذَلِكَ لِقُرْبِهِمْ مِنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثُمَّ الأَقْرَبُ فَالأَقْرَبُ مِنْهُ؛ لأَنَّ مَنْ قَرُبَ مِنْ إنْسَانٍ كَانَ أَعْلَمَ بِحَالِهِ مِنْ الْبَعِيدِ؛ وَلأَنَّ الرَّئِيسَ مِنْ كُلِّ طَائِفَةٍ أَشَدُّ تَصَوُّنًا وَصَوْنًا لِمَنْصِبِهِ مِنْ غَيْرِهِ} .
وكذلك المرجَّح هذا يُنظر فيه، يعني: ليس على إطلاقه، قد يقدَّم في بعض الصور لكنه ليس كقاعدة مطردة.
{وَعِنْدَ ابْنِ الْحَاجِبِ وَابْنِ مُفْلِحٍ وَالْهِنْدِيِّ وَجَمْعٍ: تُقَدَّمُ رِوَايَةُ مُتَقَدِّمِ الإِسْلامِ عَلَى مُتَأَخِّرِهِ} هذا قيل به لكن ليس على إطلاقه، قد يقال في بعض الصور لكن ليس كقاعدة عامة.
{وَإِلَى ذَلِكَ أُشِيرَ بِقَوْلِهِ} (أَوْ مُتَقَدِّمِ الْإِسْلَامِ) .
{وَعِنْدَ الْقَاضِي وَالْمَجْدِ وَالطُّوفِيِّ: أَنَّهُمَا سَوَاءٌ} المتقدم والمتأخر، هذا الأصل .. الأصل أنهما سواء، لماذا؟
لأن المتقدم قد يروي عن المتأخر، والمتأخر قد يروي عن المتقدم، وقد وُجد هذا، لكن أحيانًا قد يُرجَّح نعم المتأخر إذا عُلم كما في رواية جرير الآتي ذكرها، حينئذٍ نقول: في بعض الصور نعم.
ولذلك المرجِّحات ممكن أن تقول أنها على نوعين: منها ما قد يكون مطردًا، ومنها ما قد يكون صالحًا في بعض الصور دون بعض؛ لأن المرجِّحات في الجملة هي مجرد قرائن، حينئذٍ ما أفاد في بعض المواضع قد لا يفيد في بعض المواضع الأخرى، فكيف حينئذٍ نجعل قرينة صلحت في موضعٍ بأن نجعلها مطردة في كل المواضع؟ نقول: هذا ليس بسديد.
فإذا صلُح في بعض المواضع أن نرجِّح بكون الراوي متأخرًا إسلامًا لا نجعلها قاعدة: كل من تأخر إسلامه فروايته مقدمة! نقول: لا. وُجد أن بعض من تأخر إسلامه روى عن المتقدم، حينئذٍ لا إشكال في ردِّه.
قال: {أَنَّهُمَا سَوَاءٌ} وهذا هو الظاهر والله أعلم.