(وَلَيْسَ لِلْمُعْتَرِضِ أَنْ يُلْزِمَهُ مَا يَعْتَقِدُهُ هُوَ وَلَا أَنْ يَقُولَ إنْ سَلَّمْتَ وَإِلاَّ دَلَّلْتُ عَلَيْهِ) .
(وَلَيْسَ لِلْمُعْتَرِضِ أَنْ يُلْزِمَهُ) {أَيْ: يُلْزِمَ الْمُسْتَدِلَّ (مَا يَعْتَقِدُهُ هُوَ) أَيْ: الْمُعْتَرِضُ} بالدليل الذي عنده، أنا لا أقول بالمفهوم، إذًا: أنت لا تقول بالمفهوم، أنا لا أقول بحجية قول الصحابي فأنت لا تقول بحجية قول الصحابي .. وهكذا، فهذا لا يلزمه.
(وَلَا أَنْ يَقُولَ) {الْمُعْتَرِضُ لِلْمُسْتَدِلِّ: (إنْ سَلَّمْتَ) مَا أَعْتَقِدُهُ} (وَإِلاَّ دَلَّلْتُ عَلَيْهِ) .
لأن هذا خارجٌ عن المقصود.
{قَالَ ابْنُ مُفْلِحٍ: قَالَ أَصْحَابُنَا وَالشَّافِعِيَّةُ وَغَيْرُهُمْ: لِلْمُسْتَدِلِّ أَنْ يَحْتَجَّ بِدَلِيلٍ عِنْدَهُ فَقَطْ} ولو لم يعتقده المعترض.
قال: {كَمَفْهُومٍ وَقِيَاسٍ. فَإِنْ مَنَعَهُ خَصْمُهُ دَلَّ عَلَيْهِ وَلَمْ يَنْقَطِعْ} يعني: إن منعَ حينئذٍ يخرج عن البحث فيقيم الأدلة على إثبات هذا الدليل، فيقول: المفهوم حجة لقول كذا وكذا ويُثبت الأدلة، أو القياس ونحو ذلك.
قال: فَإِنْ مَنَعَهُ خَصْمُهُ دَلَّ عَلَيْهِ وَلَمْ يَنْقَطِعْ خِلافًا لأَبِي عَلِيٍّ الطَّبَرِيِّ الشَّافِعِيِّ، إنْ كَانَ الأَصْلُ خَفِيًّا.
وَأَطْلَقَ أَبُو مُحَمَّدٍ الْبَغْدَادِيُّ الْمَنْعَ عَنْ قَوْمٍ.
وَلَيْسَ لِلْمُعْتَرِضِ أَنْ يُلْزِمَهُ مَا يَعْتَقِدُهُ هُوَ فَقَطْ، وَلا أَنْ يَقُولَ: إنْ سَلَّمْته وَإِلاَّ دَلَّلْتُ عَلَيْهِ، خِلافًا لِبَعْضِ الشَّافِعِيَّةِ.
قَالَ: لأَنَّهُ بِالْمُعَارَضَةِ كَالْمُسْتَدِلِّ.
وَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا -وَعَنَى بِهِ الشَّيْخَ تَقِيَّ الدِّينِ-: لا يَنْقَطِعُ وَاحِدٌ مِنْهُمَا. فَيَكُونُ الاسْتِدْلاَل فِي مُهْلَةِ النَّظَرِ فِي الْمُعَارَضَةِ.
إذًا: خلاصة ما ذكره: أنه لا يلزم المستدل أن يقيم الدليل الذي يؤمن به ويعتقده المعترض، بل له أن ينفرد عنه بدليلٍ يخصه، فإن اعترض عليه بدليلٍ لا يعتقده للمستدل إقامةُ الدليل على إثبات هذا الدليل.
قال: {الْخَامِسُ: مِنْ الْقَوَادِحِ} (التَّقْسِيمُ) .
وهو قادحٌ عند الجمهور.
قال رحمه الله تعالى في تفسير التقسيم: (احْتِمَالُ لَفْظِ الْمُسْتَدِلِّ لِأَمْرَيْنِ فَأَكْثَرَ عَلَى السَّوَاءِ بَعْضُهَا مَمْنُوعٌ وَهُوَ وَارِدٌ) يعني: قادحٌ.
(احْتِمَالُ لَفْظِ الْمُسْتَدِلِّ لِأَمْرَيْنِ فَأَكْثَرَ عَلَى السَّوَاءِ بَعْضُهَا) {أَيْ بَعْضُ الاِحْتِمَالاتِ، أَوْ الاحْتِمَالَيْنِ مَمْنُوعٌ وَذَلِكَ الْمَمْنُوعُ هُوَ الَّذِي يَحْصُلُ بِهِ الْمَقْصُودُ} .
يعني: هذا كأنه ردَّنا إلى مسألة الإجمال، حينئذٍ المجمل يحتمل معنيين فأكثر يعني: الاستفسار السابق .. أول القوادح.
فحينئذٍ ما كان محتملًا لمعنيين فأكثر قد يكون في بعض المعاني هو الذي قصده المتكلم .. المستدل، فيكون ممنوعًا عند المعترض، فحينئذٍ قال هنا: (احْتِمَالُ لَفْظِ الْمُسْتَدِلِّ) يعني: ترددَ اللفظ بين محتملين فأكثر أحدهما مسلَّم بين المستدل والمعارض، لكنه لا يحصل المقصود به.
والآخر ممنوعٌ وهو الذي يحصل به المقصود.