يعني: خالف هذه الأوصاف ماذا؟ خالف الماء؛ لأن الماء يصاد منه السمك، وتُبنى عليه القناطر، وتجري فيه السفن، وينبت فيه القصب، وتعوم فيه الجواميس، ويزرع فيه الزرع .. ونحو ذلك.
إذًا: أتى بأوصافٍ هي للماء، فسلبها عن الخلِّ، إذًا: لا تزال به النجاسة كَالدُّهْنِ.
وَقَوْلِ بَعْضِهِمْ فِي مَسِّ الذَّكَرِ طَوِيلٌ مَشْقُوقٌ. فَلا يَجِبُ بِمَسِّهِ الْوُضُوءُ كَالْبُوقِ.
وَقَوْلِ بَعْضِهِمْ فِي طَهَارَةِ الْكَلْبِ: حَيَوَانٌ مَأْلُوفٌ لَهُ شَعْرٌ كَالصُّوفِ، فَكَانَ طَاهِرًا كَالْخَرُوفِ.
هذه كلها أمثلة لا وجود لها، وإنما المراد به التقريب فقط.
إذًا: الطردُ ملازمة في الثبوت، كل هذه لا تدل على العلِّيِّة.
قال: وَاعْلَمْ أَنَّ لِلْمُقَارَنَةِ ثَلاثَةَ أَحْوَالٍ:
أَحَدُهَا: أَنْ تَكُونَ فِي جَمِيعِ الصُّوَرِ وَعَلَيْهِ جَرَى جَمْعٌ، مِنْهُمْ صَاحِبُ جَمْعِ الْجَوَامِعِ فِيهِ، وَيُشْعِرُ بِهِ كَلامُ جَمَاعَةٍ أَيْضًا، حَيْثُ قَالُوا: إنَّهُ وُجُودُ الْحُكْمِ عِنْدَ وُجُودِ الْوَصْفِ.
يعني: كلما وُجد الحكم وُجد الوصف، أو وُجد الوصف وجد الحكم.
هل هو في بعض الصور، أو في جميع الصور، أو في صورة واحدة؟ هذا محل نزاع.
يعني: هل يُشترط فيه الاستقراء التام، أو الاستقراء الناقص يكفي، أو صورة واحدة ليس فيها استقراء؟
قال هنا: {أَنْ تَكُونَ فِي جَمِيعِ الصُّوَرِ} يعني: إن قارن الحكم في جميع صور حصوله غير صورة النزاع أفاد العلِّيِّة، وإلا فلا.
{الثَّانِيَةُ: الْمُقَارَنَةُ فِيمَا سِوَى صُورَةِ النِّزَاعِ، وَهُوَ الَّذِي عَزَاهُ فِي الْمَحْصُولِ لِلأَكْثَرِينَ. وَجَرَى عَلَيْهِ الْبَيْضَاوِيُّ، فَيَثْبُتُ حينئذٍ الْحُكْمُ فِي صُورَةِ النِّزَاعِ إلْحَاقًا لِلْفَرْدِ بِالأَعَمِّ الأَغْلَبِ. فَإِنَّ الاسْتِقْرَاءَ يَدُلُّ عَلَى إلْحَاقِ النَّادِرِ بِالْغَالِبِ} ليس مطلقًا هذا.
وَهَذَا ضَعِيفٌ؛ لأَنَّهُ لَيْسَ كُلُّ نَادِرٍ يُلْحَقُ بِالْغَالِبِ لِمَا يَرِدُ عَلَيْهِ مِنْ النُّقُوضِ.
وَأَيْضًا فَلا يَلْزَمُ مِنْ عِلِّيَّةِ الاقْتِرَانِ كَوْنُهُ عِلَّةً لِلْحُكْمِ.
الثَّالِثَةُ: الْمُقَارَنَةُ فِي صُورَةٍ وَاحِدَةٍ، وَهُوَ ضَعِيفٌ جِدًّا هذا لا يُعتبر.
يعني: في موضعٍ واحدٍ إن قارن الحكم الوصف قلنا هذا عِلَّة لا، ليس الأمر كذلك.
إذًا: المقارنة لها ثلاثة أحوال.
قال: (وَالطَّرْدُ: مُقَارَنَةُ الْحُكْمِ لِلْوَصْفِ بِلَا مُنَاسَبَةٍ) إذًا: الظاهر أنه لا يفيد العلِّيِّة إلا إذا دل دليلٌ آخر.
قال: (وَلَيْسَ دَلِيلًا وَحْدَهُ) .
يعني: لا بد من دليلٍ آخر.
{وَلَيْسَ الطَّرْدُ دَلِيلًا وَحْدَهُ عِنْدَ الأَئِمَّةِ الأَرْبَعَةِ} .
ولذلك عبَّر بعضهم بأن الطرد مردودٌ عند الجمهور.
قال هنا: (وَلَيْسَ دَلِيلًا وَحْدَهُ) يعني: يمكن أن يساند وأن يكون مكمِّلًا، أما أن يكون دليلًا مستقلًا في إثبات العلة فلا.
قال: عِنْدَ الأَئِمَّةِ الأَرْبَعَةِ وَغَيْرِهِمْ؛ لأَنَّهُ لا يُفِيدُ عِلْمًا وَلا ظَنًّا فَهُوَ تَحَكُّمٌ.