قَالَ ابْنُ السَّمْعَانِيِّ وَغَيْرُهُ: قِيَاسُ الْمَعْنَى تَحْقِيقٌ وَالشَّبَهُ: تَقْرِيبٌ، وَالطَّرْدُ: تَحَكُّمٌ.
وَبَالَغَ الْبَاقِلاَّنِيُّ فَقَالَ: مَنْ طَرَدَ عَنْ غَرَرٍ فَجَاهِلٌ، وَمَنْ مَارَسَ الشَّرِيعَةَ وَاسْتَجَازَهُ فَهَازِئٌ بِالشَّرِيعَةِ.
وَقِيلَ: إنَّهُ حُجَّةٌ مُطْلَقًا، وَتَكْفِي الْمُقَارَنَةُ وَلَوْ فِي صُورَةٍ وَاحِدَةٍ وهذا باطل.
(وَتَنْقَسِمُ الْعِلَّةُ عَقْلِيَّةً أَوْ شَرْعِيَّةً إلَى مَا تُؤَثِّرُ فِي مَعْلُولِهَا كَوُجُودِ عِلَّةِ الْأَصْلِ فِي الْفَرْعِ) .
{تَنْقَسِمُ الْعِلَّةُ سَوَاءٌ كَانَتْ عَقْلِيَّةً أَوْ شَرْعِيَّةً إلَى مَا تُؤَثِّرُ فِي مَعْلُولِهَا} في محلها {كَوُجُودِ عِلَّةِ الأَصْلِ فِي الْفَرْعِ} .
هذا مؤثرٌ في نقل حكمه، أثَّرت أو لا؟ أثّرت.
حينئذٍ استصحبها الحكم .. تبعها الحكم، وهذا معنى التأثير، ليس المراد وجود العلة فحسب، هذه لم تؤثر، ولذلك وجود العلة مع فوات الشرط أو قيام المانع وإن دل على وجود المقتضي لكن لا تأثير له ولا فائدة للعلة، فدل على أن العلة إنما تكون معتبرة إذا ظهر أثرها، متى يظهر أثرها؟ إذا تبعها الحكم المرتب عليها.
حينئذٍ قوله هنا: {مُؤَثِّرٌ فِي نَقْلِ حُكْمِهِ} .
(وَإِلَى مَا يُؤَثِّرُ فِيهَا مَعْلُولُهَا كَالدَّوَرَانِ) المتقدم ذكره، قال: (كَوُجُودِ عِلَّةِ الْأَصْلِ فِي الْفَرْعِ) هذا مؤثرٌ في نقله حكمه، (وَإِلَى مَا يُؤَثِّرُ فِيهَا مَعْلُولُهَا) كيف يؤثر فيها يعني: يثبت وجودها؟
(كَالدَّوَرَانِ) الدوران ليس إلا أن يُثبت كونها عِلَّة، وحينئذٍ الدوران أثّر فيها لكن من جهة الإثبات فحسب، هذا ظاهر كلامه والله أعلم.
{فَوَائِدُ تَتَعَلَّقُ بِتَفْسِيرِ بَعْضِ أَلْفَاظٍ اصْطَلَحَ عَلَيْهَا أَهْلُ الأُصُولِ وَالْجَدَلِ} .
وبعضهم جعلها من المسالك كالتحقيق وإلغاء الفارق ونحوها، وهذا كذلك مشى عليه في جمع الجوامع.
قال هنا: (الْمَنَاطُ) يعني: اللفظ الأول: الْمَنَاطُ.
{الْمَنَاطُ مَفْعَلٌ مِنْ نَاطَ نِيَاطًا، أَيْ عَلَّقَ} يعني: يمر معك المناط ونحوه، ما المراد به؟ المراد به ما عُلِّق به الحكم، لكن أصل أخذه مناسب للمعنى هنا؛ لأن التعليق هنا -وإن كان معنويًا- تعليق الحكم بالوصف، كذلك كالتعليق الحسي، لا إشكال في التصرف في اللفظ.
قال: مِنْ نَاطَ نِيَاطًا أَيْ: عَلَّقَ، فَهُوَ مَا نِيطَ بِهِ الْحُكْمُ أَيْ: عُلِّقَ بِهِ، وَهُوَ الْعِلَّةُ الَّتِي رُتِّبَ عَلَيْهَا الْحُكْمُ فِي الأَصْلِ.
يُقَالُ: نُطْتُ الْحَبْلَ بِالْوَتَدِ أَنُوطُهُ نَوْطًا: إذَا عَلَّقْتُهُ، وَمِنْهُ: ذَاتُ أَنْوَاطٍ، شَجَرَةٌ كَانُوا فِي الْجَاهِلِيَّةِ يُعَلِّقُونَ فِيهَا سِلاَحَهُمْ وَقَدْ ذُكِرَتْ فِي الْحَدِيثِ.
إذا تقرر هذا المعنى اللغوي، وأن المراد به من حيث ما يُعلَّق عليه الشيء، فحينئذٍ ناسب المعنى الاصطلاحي ولذلك قال: {فَالْمَنَاطُ مُتَعَلِّقُ الْحُكْمِ} .
يعني: ما عُلِّق عليه الحكم سواء كان مناسبًا أو لا على مذهب المصنف.
وهو العلة .. متعلق الحكم هو العلة، ولذلك يسمى بالمناط.
قال: {فَالْمَنَاطُ مُتَعَلِّقُ الْحُكْمِ} وهو العلة.