عرفنا ما تعلق فيما سبق: عينٌ في عين جنس في جنس، حينئذٍ بينها في هذه العبارات.
إذًا: (أَعَمُّ الْجِنْسِيَّةِ فِي الْوَصْفِ: كَوْنُهُ وَصْفًا) .
فإذا علَّق الشرع الحكم على جنس الوصف، حينئذٍ تَفهم أن الجنس أعم، فإذا علقه على وصفٍ ثم اعتبر هذا الوصف، حينئذٍ يكون أخص من مطلق الوصف.
(وَتَأْثِيرُ الْأَخَصِّ فِي الْأَخَصِّ أَقْوَى) .
ومن هنا جاء تقديم المؤثر؛ لأنه عينٌ في عين يعني: أخص في الأخص.
(تَأْثِيرُ الْأَخَصِّ فِي الْأَخَصِّ أَقْوَى وَالْأَعَمِّ فِي الْأَعَمِّ يُقَابِلُهُ) يعني: أبعد.
ولذلك جعل في الغريب هناك الملائم جنس في جنس، هو أضعفها.
(وَالْأَعَمِّ فِي الْأَعَمِّ يُقَابِلُهُ) يعني: {فِي كَوْنِهِ أَضْعَفَ مِنْ جِهَةِ التَّأْثِيرِ} .
(وَالْأَخَصِّ فِي الْأَعَمِّ وَعَكْسُهُ وَاسِطَتَانِ) .
{وَتَأْثِيرُ الأَخَصِّ فِي الأَعَمِّ وَعَكْسُهُ وَهُوَ تَأْثِيرُ الأَعَمِّ فِي الأَخَصِّ وَاسِطَتَانِ بَيْنَ الأَقْوَى وَالأَضْعَفِ} .
والمصنف عنده - كما لاحظنا في الشرح- أنه يؤخر المعلومات التي ينبني عليها المسائل، يعني: خالف الترتيب المشهور عند الأصوليين لكن يحتاج إلى إعادة ترتيب، وإلا لو قدَّم هذه المسألة .. أشار بجملة إلى أن الأحكام تتنوع إلى هذه الأنواع جنسية ونحوها، ثم أتى بالمؤثر وأتى بالملائم .. لفُهِمت على وجهها، لكن تُشرح ثم تأتي البيان نحتاج نحن نعيد الآن الشرح على ما مضى.
فإذا جاءت الأمثلة مع هذه الفوائد اتضحت المسائل كلها.
قال هنا: {قَالَ الطُّوفِيُّ فِي شَرْحِهِ: لَمَّا تَقَرَّرَ أَنَّ الْوَصْفَ مُؤَثِّرٌ فِي الْحُكْمِ، وَالْحُكْمُ ثَابِتٌ بِالْوَصْفِ، وَمُسَمَّى الْوَصْفِ وَالْحُكْمِ جِنْسٌ تَخْتَلِفُ أَنْوَاعُ مَدْلُولِهِ بِالْعُمُومِ وَالْخُصُوصِ} يعني: جنس عام، جنس أخص وهكذا.
{كَاخْتِلافِ أَنْوَاعِ مَدْلُولِ الْجِسْمِ وَالْحَيَوَانِ} يعني المسألة منطقية، كما يقال في الجسم والحيوان: ما الفرق بينهما؟ الجسم عامٌ بالنسبة إلى الحيوان، والحيوان خاصٌ بالنسبة للجسم؛ لأن الجسم يشمل الحيوان وغيره كالجماد، والحيوان خاصٌ بما فيه روح.
{وَلِهَذَا اخْتَلَفَ تَأْثِيرُ الْوَصْفِ فِي الْحُكْمِ تَارَةً بِالْجِنْسِ، وَتَارَةً بِالنَّوْعِ: احْتَجْنَا إلَى بَيَانِ مَرَاتِبِ جِنْسِ الْوَصْفِ وَالْحُكْمِ، وَمَعْرِفَةِ الأَخَصِّ مِنْهُمَا مِنْ الأَعَمِّ؛ لِيَتَحَقَّقَ لَنَا مَعْرِفَةُ أَنْوَاعِ تَأْثِيرِ الأَوْصَافِ فِي الأَحْكَامِ} .
فالباب محمولٌ على كلام المناطقة في هذه المسائل.
قال: {فَأَعَمُّ مَرَاتِبِ الْوَصْفِ: كَوْنُهُ وَصْفًا؛ لأَنَّهُ أَعَمُّ مِنْ أَنْ يَكُونَ مَنَاطًا لِلْحُكْمِ أَوْ لا يَكُونَ} ليس كل وصفٍ في الكتاب والسنة يعتبر مناطًا للحكم، بل قد يكون وقد لا يكون.
وما فائدة السبر والتقسيم؟ السبر والتقسيم أين يكون؟ يكون في الكتاب والسنة .. هذا الأصل، وقد يكون في غير ذلك لكن نحن نتحدث في الشرع.
حينئذٍ حصرُ الأوصاف ثم إلغاء ما لا يصلح، إذًا: عندنا وصفٌ في الكتاب والسنة لا يصلح أن يكون متعلقًا للحكم.