يعني: دل الشرع على إلغائه، هذا ليس كالمناسب أو الوصف الذي لم يعتبره الشارع ولم يلغه. يعني: الأول والثاني إذا عرَّفنا المصلحة المرسلة بأنها وصفٌ لم يعتبره الشارع ولم يلغه حينئذٍ هذا لا إشكال فيه، لكن لو جاء الشرع بإلغائه هل يصح التعليل به؟ الجواب: لا. ألغى الشرع الفرق في الذكورة والأنوثة في الصلاة مثلًا، هل يصح التعليل به في الصلاة؟ الجواب: لا. لا يصح.
فقال: هذا لا يجوز التعليل به بالاتفاق، هذا على ما ذكرناه سابقًا في الوصف من حيث هو إما أن يعتبره الشارع أو أن يلغيه الشارع، وإما ألا يرد: لم يعتبره ولم يلغه الشارع.
إن اعتبره الشارع اعتُبر على أي وجهٍ كان، ثانيًا: إن ألغاه الشارع لا يصح الاعتبار به البتة، وهذا الذي عناه بالمرسل هنا الذي ثبت إلغاؤه.
فكأن المصنف يوزِّع لك المسألة إلى قسمين باعتبار المصالح المرسلة: مصالح مرسلة شهد لها الشرع. إما باعتبار الجنس: جنس الحكم أو جنس الوصف، ومصالح مرسلة لم يعتبرها وإنما هي تعتبر بظن المكلَّف، فجعل القسم الأول الذي هو المرسل الملائم والمرسل الغريب وإن كان ليس بحجة جعله داخلًا في المصالح المرسلة.
وأما المرسل الذي ثبت إلغاؤه وإن سماه مرسلًا لكنه ألغاه من جهة العمل فقال: لا يُعمل به بالاتفاق، وهذا تصنيفٌ للمناسب على حسب ما ذكرناه.
قال هنا -في الملغى-: {وَذَلِكَ كَإِيجَابِ صَوْمِ شَهْرَيْنِ ابْتِدَاءً فِي الظِّهَارِ، أَوْ الْوَطْءِ فِي رَمَضَانَ عَلَى مَنْ يَسْهُلُ عَلَيْهِ الْعِتْقُ} المثال الذي اشتهر ذكره في الغريب، المصنف هنا رتّب ترتيبًا يختص به.
قال: (وَهُمَا مَرْدُودَانِ) .
أَيْ الْمُرْسَلُ الْغَرِيبُ، وَالْمُرْسَلُ الَّذِي ثَبَتَ إلْغَاؤُهُ مَرْدُودَانِ:
أَمَّا الأَوَّلُ الذي هو الغريب {فَعِنْدَ الْجُمْهُورِ. وَأَمَّا الثَّانِي: فَبِالاتِّفَاقِ} .
إذًا: المناسب عند المصنف ثلاثة أنواع: مؤثر، وملائم، وغريب، ومرسل. والمرسل هذا هو المصالح المرسلة، وقسَّمها إلى ثلاثة أقسام، وإذا قلنا بأن المصالح المرسلة ليست بحجة حينئذٍ كُفِينا النظر في نوعية الأقسام.
لكن النوع الثالث هذا متفقٌ عليه وهو ما ألغاه الشرع.
المؤثر والملائم كلٌ منهما دل الدليل على اعتبار الوصف بالنص والإجماع، إلا أن الفرق بينهما عند المصنف -يعني: خلافًا مما اشتهر-: أن المؤثر اعتُبر فيه عينٌ في عين. يعني: جاء الوصف مخصوصًا بالنص أو بالإجماع، وعينُ الحكم.
وأما الملائم فهو ما لم يكن فيه عينٌ في عين، وإنما عينٌ في جنس أو جنسٌ في عين، أو جنسٌ في جنس.
(وَإِلاَّ فَغَرِيبٌ) يعني: إن لم يُعتبر، اعتبره الشارع في ترتيب الحكم على الوصف، لكن لم يدل عليه نصٌ ولا إجماع، وهو ما اشتهر عند جمهور الأصوليين أنه الوصف الذي لم يشهد له الشرع باعتبارٍ ولا إلغاءٍ.
قال رحمه الله تعالى: (فَائِدَةٌ) .
لما بيَّن لك شيئًا مما يتعلق بالأمثلة السابقة: الجنس، والعين .. هذه ألفاظ تحتاج إلى بيان .. تحتاج إلى تحرير فقال: (أَعَمُّ الْجِنْسِيَّةِ فِي الْوَصْفِ) .