قال هنا فيما يتعلق بأثر عمر: {وَوَافَقَهُ الصَّحَابَةُ عَلَيْهِ، فَأَوْجَبُوا حَدَّ الْقَذْفِ عَلَى الشَّارِبِ، لا لِكَوْنِهِ شَرِبَ، بَلْ لِكَوْنِ الشُّرْبِ مَظِنَّةَ الْقَذْفِ، فَأَقَامُوهُ مَقَامَ الْقَذْفِ قِيَاسًا عَلَى إقَامَةِ الْخَلْوَةِ بِالأَجْنَبِيَّةِ مَقَامَ الْوَطْءِ فِي التَّحْرِيمِ، لِكَوْنِ الْخَلْوَةِ مَظِنَّةً لَهُ} أي: مظنة للوطء فأقاموه مقامها، لكن لا يترتب عليه الحكم.
{فَظَهَرَ أَنَّ الشَّارِعَ إنَّمَا اعْتَبَرَ الْمَظِنَّةَ الَّتِي هِيَ جِنْسٌ لِمَظِنَّةِ الْوَطْءِ، وَمَظِنَّةِ الْقَذْفِ فِي الْحُكْمِ الَّذِي هُوَ جِنْسٌ لإِيجَابِ حَدِّ الْقَذْفِ وَحُرْمَةِ الْوَطْءِ} .
لكن هذا مجرد تمثيل، وإلا في الواقع لا يترتب عليه الحكم الشرعي. يعني: مجرد الخلوة يترتب عليها حكم الوطء؟ الجواب: لا.
ومجرد الشرب .. إلا إذا ثبت إجماع الصحابة فهذا شيءٌ آخر، وإلا الأصل أنه إذا شرب لا يُحدُّ إلا بحد الشُرب فقط، وأما حد القذف فلا؛ لأنه إذا اعتُبر ذلك فحينئذٍ عُلِّق بغير وصفٍ، ولذلك قلنا: اعتبار الجنس في الجنس هذا أبعدها وهو أضعفها؛ لأنه أشبه ما يكون بالشيء المتوهم وليس له وجود بالفعل.
{وَقَالَ ابْنُ مُفْلِحٍ وَغَيْرُهُ: الأَوَّلُ} عين الوصف في جنس الحكم .. كمثال {كَالتَّعْلِيلِ بِالصِّغَرِ فِي قِيَاسِ النِّكَاحِ عَلَى الْمَالِ فِي الْوِلايَةِ، فَإِنَّ الشَّرْعَ اعْتَبَرَ عَيْنَ الصِّغَرِ فِي عَيْنِ وِلايَةِ الْمَالِ بِهِ مُنَبِّهًا عَلَى الصِّغَرِ، وَثَبَتَ اعْتِبَارُ عَيْنِ الصِّغَرِ فِي جِنْسِ حُكْمِ الْوِلايَةِ إجْمَاعًا} .
وهذا محل وفاقٍ: عين الوصف في جنس الحكم.
{وَالثَّانِي: كَالتَّعْلِيلِ بِعُذْرِ الْحَرَجِ فِي قِيَاسِ الْحَضَرِ بِعُذْرِ الْمَطَرِ عَلَى السَّفَرِ فِي الْجَمْعِ. فَجِنْسُ الْحَرَجِ} الحرج له أنواع وهو جنس وهو وصفٌ.
{مُعْتَبَرٌ فِي عَيْنِ رُخْصَةِ الْجَمْعِ إجْمَاعًا} .
وهو كذلك، فالحرج له أفراد، ورُخصة الجمع هذه خاصة .. اعتُبر جنس الوصف في عين الحكم.
أمثلة ابن مفلح أوضح من أمثلة المصنف، المصنف فيها بُعد.
{وَالثَّالِثُ} جنس الوصف في جنس الحكم: {كَالتَّعْلِيلِ بِجِنَايَةِ الْقَتْلِ الْعَمْدِ الْعُدْوَانِ فِي قِيَاسِ الْمُثَقَّلِ عَلَى الْمُحَدَّدِ فِي الْقِصَاصِ، فَجِنْسُ الْجِنَايَةِ} الجناية هذا جنس؛ لأنه يتعلق بالنفس نفسها وبالأطراف يعني: لو قطع طرفًا من يده يسمى جناية، لو قطع رأسه يسمى جناية.
إذًا: أخذُ شيءٍ من الأطراف مع بقاء النفس هذا تسمى جناية، وأخذ النفس كلها صار له أفراد، ولذلك صارت الجناية جنس.
قال: {فَجِنْسُ الْجِنَايَةِ مُعْتَبَرٌ فِي جِنْسِ قِصَاصِ النَّفْسِ} القصاص كذلك له أفراد، قصاص النفس باعتبار النفس والقصاص باعتبار اليد باليد ونحو ذلك.
{لاشْتِمَالِهِ عَلَى قِصَاصِ النَّفْسِ وَغَيْرِهَا كَالأَطْرَافِ} .
إذًا: أمثلة ابن مفلح أوضح من أمثلة المصنف فهي معتبرة.