يعني: لم يأت هذا الوصف بشيءٍ لم يدل عليه الشارع، فالأول والثاني معتبر يعني: شهد له الشرع بالاعتبار، فرتب عليه الحكم الشرعي، سواء رتبه عليه كونه نوعًا أو جنسًا، وما رتبه عليه من حكمٍ قد يكون نوعًا وقد يكون جنسًا.
قال: وَهُوَ ثَلاثَةُ أَنْوَاعٍ.
مِثَالُ مَا اعْتَبَرَ الشَّارِعُ عَيْنَ الْوَصْفِ يعني: نوع الوصف {فِي جِنْسِ الْحُكْمِ مِنْ الْمُلائِمِ: امْتِزَاجُ النَّسَبَيْنِ فِي الأَخِ مِنْ الأَبَوَيْنِ} .
هذا الأخ لأبوين لا شك أنه مقدمٌ على الأخ لأب، جاء اعتبار الشرع في عين الإرث، ما عدا ذلك لم يأت له مثال في الشرع، يعني: الذي دل عليه الدليل وهو محل إجماع كونه مقدمًا على الأخ لأب في الإرث.
ما عدا الإرث في الولاية، والشهادة، والوكالة .. إلى آخره لم يرد به الشرع، لكن نقيس هذا على ذاك -ما لم يرد على ما ورد- باعتبار الجنس.
قال هنا: {امْتِزَاجُ النَّسَبَيْنِ فِي الأَخِ مِنْ الأَبَوَيْنِ. اعْتَبَرَ تَقْدِيمَهُ عَلَى الأَخِ مِنْ الأَبِ فِي الإِرْثِ} وهذا محل إجماع، لا خلاف بين أهل العلم أن من أدلى بجهتين مقدمٌ على من أدلى بجهة واحدة.
{وَقِسْنَا عَلَيْهِ} هنا جاء القياس {وَقِسْنَا عَلَيْهِ تَقْدِيمَهُ} تقديم الأخ من الأبوين في غير الإرث، وهو لم يرد إلا في الإرث.
قسنا عليه مما لم يرد كالنكاح وغيرها من الأحكام يعني: ولاية النكاح.
حينئذٍ لو كان في ولاية النكاح: عندنا أخٌ لأب وأخ لأبوين، لم يرد النص في أيهما نقدم، لكن وجدنا أن الشرع قدّم في الإرث ما كان ممتزجًا من النسبين، حينئذٍ نقدمه في ولاية النكاح.
قال: {وَقِسْنَا عَلَيْهِ تَقْدِيمَهُ فِي وِلايَةِ النِّكَاحِ وَغَيْرِهَا مِنْ الأَحْكَامِ الَّتِي قُدِّمَ عَلَيْهِ فِيهَا} فيُقدم الأخ من أبوين على الأخ لأب.
{فَإِنَّهُ -وَإِنْ لَمْ يَعْتَبِرْهُ الشَّارِعُ فِي غَيْرِ هَذِهِ الأَحْكَامِ- لَكِنْ اعْتَبَرَهُ فِي جِنْسِهَا} لأن الجنس يوجد في كل فردٍ من أفراده كما هو معلومٌ من محله، ثَم قدرٌ مشترك بين الأفراد {وَهُوَ التَّقَدُّمُ فِي الْجُمْلَةِ} .
إذًا: استفدنا من كون الشرع قدَّم الأخ لأبوين لكونه يُدلي من جهتين على الأخ لأب لكونه يُدلي بجهة واحدة أنه في الجملة في الشرع مقدَّمًا، حينئذٍ صار له معنى الجنس، فعمَّمنا الوصف الذي يتعلق به، جاء النص أو الإجماع بكونه معتبرًا في الإرث فقط، نحن استفدنا بالمناسبة أنه إنما قُدِّم لإدلائه بالجهتين.
حينئذٍ في غير الإرث كالنكاح وغيره نقول: الأخ من الأبوين مقدم على الأخ من أب، وحينئذٍ نقول: هذا باعتبار الجنس.
قال هنا: مِثَالُ مَا اعْتَبَرَ الشارع عين الوصف فِي جِنْسَ الْحُكْمِ من الملائم.
{وَمِثَالُ مَا اعْتُبِرَ فِيهِ جِنْسَ الْوَصْفِ فِي عَيْنِ الْحُكْمِ، عَكْسُ الَّذِي قَبْلَهُ: مِنْهُ الْمَشَقَّةُ} .
المشقة هذه جنس، أثَّر في نوع من العبادات وهو إسقاط الصلاة، لكن باعتبارين: باعتبار الحائض أسقط الصلاة بالكلية، وباعتبار المسافر أسقط جزءًا من الصلاة.