إذًا: إذا قيل بأن جلب المصالح مقدمٌ على درء المفاسد، حينئذٍ هذه المناسبة التي ظُن أنها مناسِبة، ووجدنا أن ثم مفسدة راجحة عليها أو مساوية، حينئذٍ نقول: هذه تنخرم .. تبطل من أصلها، فلا يصح التعليل بها.
عند المقابِل ليس المراد أنه يحصل ما يترتب على رجحان المفسدة أو المصلحة، وإنما المراد أنه قام المانع من اعتبار هذا المقتضي.
قال الشيخ الأمين رحمه الله تعالى في المذكرة: الخلاف في هذه المسألة لفظي، لأن المصلحة إذا استلزمت مفسدة مساوية أو راجحة فإن الحكم لا ينبني على تلك المصلحة قولًا واحدًا. يعني: اتفقوا على أنه لا ينبني عليها حكمٌ شرعي.
لأن الشرع لا يأمر بمصلحة مؤدية إلى مفسدة أكبر منها أو مساوية. وهذا لا إشكال فيه.
ولكن الخلاف في المصلحة المعارَضة بالمفسدة، هل هي مُنخرمة زائلة من أصلها -لا وصف عندنا أصلًا- أو هي باقية معارَضة بغيرها؟ هذا محل النزاع، المصنف يقول: لم تنخرم يعني: هي باقية.
لكن لم تؤثر في الحكم، لماذا؟ لقيام المانع.
فعلى الأول عدم الحكم لعدم المقتضي يعني: من قال أنها تنخرم .. عدم الحكم المترتب على هذه المصلحة نقول: لعدم المقتضي.
وعلى الثاني فعدمُ الحكم لوجود المانع.
ذكر مثالًا قال: فداء أُسارى المسلمين بالسلاح. هل يُفدون بالسلاح؟
إذا كان يؤدي إعطاؤهم السلاح إلى قدرة الكفار بذلك السلاح على قتل الأُسارى أو أضعافهم، حينئذٍ عندنا مفسدة ومصلحة.
هنا جاء الخلاف في هذه المسألة بناءً على أن الوصف هنا اشتمل على مصلحة ومفسدة أرجح، يعني: نفرض أن الأسارى عشرة يذهبون، لكن لو أُعطي السلاح حينئذٍ قتلوا مائة مثلًا، لا شك أن هذه مصلحة مقدمةٌ على تلك المفسدة.
لكن إذا قيل بأنه لا تأثير لهذه المفسدة أو أنها مساوية هل العلة موجودة أو قام مانع؟ هذا محل النزاع، وإلا لا يترتب الحكم عليها البتة.
قال: مثاله: فداء أسارى المسلمين بالسلاح إذا كان يؤدي إلى قدرة الكفار بذلك السلاح على قتل عدد الأسارى أو أكثر من المسلمين. هذا يتأتى في المثال السابق.
قال: (وَإِذَا اشْتَمَلَ وَصْفٌ عَلَى مَصْلَحَةٍ وَمَفْسَدَةٍ رَاجِحَةٍ) على المصلحة.
{أو اشْتَمَلَ وَصْفٌ عَلَى مَصْلَحَةٍ وَمَفْسَدَةٍ مُسَاوِيَةٍ} لها.
هاتان صورتان.
قال: (لَمْ تَنْخرِم مُنَاسَبَتُهُ) المراد بانخرامها: إبطالها، قال: هو ما لا يقضي العقل بمناسبتها للحكم إذ ذاك، فلا يكون لها أثر في اقتضاء الأحكام؛ لا أنه يلزم خلو الوصف عن استلزام المصلحة.
قال هنا: (لَمْ تَنْخرِم مُنَاسَبَتُهُ) {عَلَى الأَرْجَحِ} .
يعني: العلة موجودة، والوصف مناسبٌ على حاله، وإنما قام مانعٌ. ومن قال بأنها تنخرم قال: فسدت وبطلت من أصلها فلا يصح أن يُعلَّق عليها .. ؟؟؟
قال: (وَلِلْمُعَلِّلِ تَرْجِيحُ وَصْفِهِ بِطَرِيقٍ تَفْصِيلِيٍّ) يعني: له طريقان: أن يرجِّح هذا الوصف إما على جهة التفصيل وإما على جهة الإجمال، التفصيل هذا يختلف .. ليس له ضابط، يختلف باختلاف الصور والمسائل.
ولذلك قال: (تَفْصِيلِيٍّ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْمَسَائِلِ) فلا ضابط له، فكل مسألة يُنظر لها بنظرٍ خاص.