فهرس الكتاب

الصفحة 1552 من 1890

ولذلك قال هنا: لا المنع من استعماله لنجاسته والكف عن مخامرته. فالانتفاع بالنجاسات جائز بالاتفاق. لكن لا يلزم من ذلك صحة البيع.

يعني: الانتفاع بالنجاسات جائزٌ بالاتفاق، إن كان عنده كلب أو أخذه بطريقٍ شرعي، حينئذٍ لو انتفع به لا إشكال فيه، أما البيع والشراء فلا.

قال: ومعنى البيع نقلُ الاختصاص ببدل، ولا مناسبة بين بطلان الصلاة باستصحابه وبين المنع من بيعه، فبهذا ينكشف الغطاء وتنقطع المناسبة، ولا تزال تزداد المناسبة خفاءً واندراسًا بالبحث.

لكن كلامه الظاهر فيه نظر، الصحيح تحريم بيع الميتة بنجاستها ويقاس الكلب عليها؛ لأنه لو قيل بأنه اتفاق يجوز استعمال النجاسة إلا أنه لا يجوز بيعها.

إذًا: تعليل الشافعية تحريم بيع الميتة بنجاستها وقياس الكلب عليها انتقده الغزالي، وعليه يصح المثال الذي ذكره: النجاسة لا يلزم منها عدم البيع.

قال: (وَإِذَا اشْتَمَلَ وَصْفٌ عَلَى مَصْلَحَةٍ وَمَفْسَدَةٍ رَاجِحَةٍ) يعني: على المصلحة (أَوْ مُسَاوِيَةٍ) للمصلحة (لَمْ تَنْجَرَّ مُنَاسَبَتُهُ) {عَلَى الأَرْجَحِ} (وَلِلْمُعَلِّلِ تَرْجِيحُ وَصْفِهِ بِطَرِيقٍ تَفْصِيلِيٍّ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْمَسَائِلِ، وَإِجْمَالِيٍّ، وَهُوَ لَوْ لَمْ يُقَدَّرْ رُجْحَانُ الْمَصْلَحَةِ ثَبَتَ الْحُكْمُ تَعَبُّدًا) {وَهُوَ عَلَى خِلافِ الأَصْلِ} عندهم {لأَنَّ الْغَالِبَ مِنْ الأَحْكَامِ التَّعَقُّلُ دُونَ التَّعَبُّدِ} .

أولًا: لا خلاف أن الوصف إذا اشتمل على المصلحة الخالية عن المفسدة والراجحة عليها يكون مناسبًا ويعتبر مناسبته.

يعني: إذا خلى مصلحة خالصة، لذلك أهل العلم .. أول قاعدة قعَّد بها الشيخ ابن سعدي كتابه القواعد والأصول الجامعة: أن الشارع لا يأمر إلا بما مصلحته خالصة أو راجحة، ولا ينهى إلا عما مفسدته خالصة أو راجحة. هذه من أجمل القواعد وأحسنها التي تحتاج أن يبقى طالب العلم معها أشهرًا حتى يفهمها ويدرك ما تحتها من أسرار.

حينئذٍ إن كانت المصلحة خالصة فلا خلاف أن المناسب حينئذٍ يكون مناسبًا وهو معتبر .. لا خلاف: أن الوصف إذا اشتمل على المصلحة الخالية عن المفسدة .. ليس عندنا إلا مصلحة، والراجحة عليها -يعني: المصلحة راجحة على المفسدة- يكون مناسبًا ويُعتبر مناسبتُه.

أما إذا اشتمل على مصلحة ومفسدة راجحة على المصلحة -وهي التي عناها المصنف- أو مساوية للمصلحة، فرجَّح المصنف أنها لا تنخرم. يعني: لا يعود على الوصف بالإبطال، وإنما يكون المقتضِي موجودًا لكن قام المانع من تأثير هذا الوصف.

هو لا يقول بأن المصلحة معتبرة إذا كانت المفسدة راجحة لا، هنا يُغلَّب النهي، هذا لا يختلف فيه المصنف ولا غيره بل محل وفاق.

وإنما هل العلة صارت فاسدة منخرمة أو لا؟ هل لعدم وجودها أو لقيام المانع؟ هذا سيأتي.

وبه جزم الرازي والبيضاوي، وذهب ابن الحاجب والصفي الهندي وعُزي إلى للأكثر تنخرم، يعني: تبطل، المراد بـ: تنخرم هنا يعني: تبطل.

وعُزِي للأكثر تنخرم؛ لأن دفع المفاسد مقدمٌ على جلب المصالح، ولأن المناسبة أمرٌ عرفيٌ والمصلحة إذا عارضها ما يساويها لم تعد عند أهل العرف مصلحة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت