فهرس الكتاب

الصفحة 1554 من 1890

(وَإِجْمَالِيٍّ، وَهُوَ لَوْ لَمْ يُقَدَّرْ رُجْحَانُ الْمَصْلَحَةِ ثَبَتَ الْحُكْمُ تَعَبُّدًا) .

يعني: إذا وُجد مصلحة ومفسدة ولو كانت المفسدة راجحة، وجعلنا هذا المقتضي موجودًا لم ينخرم حينئذٍ أولى من القول بانخرامه لأنه يؤدي إلى القول بأن هذه الصورة تعبدي، ومعلومٌ عندهم القاعدة أن التعبدات أقل من المعقولات، فيجعله حكمًا معقول المعنى ولو انخرم ولو لم يترتب عليه حكمٌ شرعي أولى من القول بأنه تعبدي؛ لأنه إذا دار الأمر بين كون الحكم الشرعي مُعلَّل أو تعبدي فحملُه على الأغلب الأكثر وهو كونه معلَّلًا.

فحينئذٍ القول بوجود المناسب أولى من عدم وجوده؛ لأنك إذا قلت: انخرمت صار تعبدي، وإذا قلت: باقية ولكنه منع مانع من تأثير الحكم الشرعي صار معلَّلًا. والقول بالمعلَّل أولى من القول بالتعبدي، وهذا الدليل الإجمالي. وفيه نظر من جهة أن القاعدة الصحيحة فيها أن التعبدي في الشرع أكثر من المعلَّل؛ لأن العبادات لا شك أنها مدارها على الأركان الخمسة، ولو نظرنا في التوحيد وفيما يتعلق في الصلاة والصوم والزكاة والحج .. وجدنا أن أكثرها تعبدات، إنما هي في أصل وضعها.

ولذلك قيل: الزكاة من الأمثلة المشهورة عندهم أنها معلَّلة، ومعلَّلة في الحكمة وهي سد خَلَّة الفقير، لكن جميع الأصناف وما يُخرَج وما يُترك والحول والنصاب .. كل هذا غير مدرك بالعقل، والصلاة ابتداءً وانتهاءً في الركعات والجهر والسر والأوقات دخولًا وخروجًا وقضاءً وأداءً، والحج كلُّه .. عرفة ثم منى ثم إلى آخره .. كله غير معلَّل، لماذا الوقت هذا دون غيره؟ كله غير معلَّل، والصواب العكس: أن أكثر الشرعيات تعبدات وليست بمعقولات.

وأما البيع والنكاح هذا مرده إلى الأمور الدنيوية، وإنما ضبَطه الشارع بأصولٍ وشروطٍ وأركان فحسب، الأصل ليس من قبيل التعبدات، أما العبادات كلها فالغالب فيه أنه من قبيل التعبد لا من قبيل المعلَّل، وإن وقع شيءٌ معلَّل فهو في المقاصد يعني: القصد من الحج وما يترتب عليه، وأكثرها يكون من الأشياء المستنبطة التي يمكن الخلاف فيها.

قوله: (إِجْمَالِيٍّ، وَهُوَ لَوْ لَمْ يُقَدَّرْ رُجْحَانُ الْمَصْلَحَةِ) رجَّح المصلحة على المفسدة، وإن كانت المفسدة أكبر من المصلحة، فأبقاها على أنها وصفٌ مناسب، من أجل أن يبقى معلَّلًا طردًا لهذه القاعدة. وهذا فيه نظر، والصواب أنها تنخرم.

(وَهُوَ لَوْ لَمْ يُقَدَّرْ رُجْحَانُ الْمَصْلَحَةِ ثَبَتَ الْحُكْمُ تَعَبُّدًا) .

{وَهُوَ عَلَى خِلافِ الأَصْلِ؛ لأَنَّ الْغَالِبَ مِنْ الأَحْكَامِ التَّعَقُّلُ دُونَ التَّعَبُّدِ} والعكس هو الصحيح.

{وَلأَنَّهُ إذَا كَانَ الْحُكْمُ مَعْقُولَ الْمَعْنَى كَانَ أَقْرَبَ وَأَدْعَى إلَى الْقَبُولِ وَالانْقِيَادِ لَهُ} .

لكن هذا فاسد أيضًا. ردك كما سبق.

إذًا: (وَإِذَا اشْتَمَلَ وَصْفٌ عَلَى مَصْلَحَةٍ وَمَفْسَدَةٍ رَاجِحَةٍ أَوْ مُسَاوِيَةٍ) قال: (لَمْ تَنْخرِم) والصواب أنها انخرمت، فلا وجود لهذه المصلحة وهي غير معتبرة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت