ولذلك قال هنا: متفقٌ عليه، ففُهم منه التعليل بكونه دَينًا: حجي عنها لأنه دين، كما أن الدين يُقضى عن الميت في المال، كذلك الدين يُقضى عن الميت في العبادات.
قال هنا: هذا نظيرٌ لما يقع جوابًا للسؤال، فليس هو عين الجواب.
وإنما نظيره والحكم واحدٌ لاستواء العلة.
قال هنا: {وَمِنْ أَمْثِلَةِ ذَلِكَ أَيْضًا مَا رُوِيَ فِي الْكُتُبِ السِّتَّةِ: أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا سَأَلَتْهُ الْمَرْأَةُ الْخَثْعَمِيَّةُ: } .
هذا أظهر مما ذكره المصنف سابقًا؛ لأنه عدل مباشرة ولم يذكر الجواب، فدل على أن هذا الجواب نظير الجواب -جواب السؤال-، لكنه لم يُجب بالجواب المعين وإنما عدل إلى نظيره لاستواء العلة، فالعلة واحدة .. استواء الحكم والعلة.
{فَنَظِيرُهُ فِي الْمَسْئُولِ عَنْهُ كَذَلِكَ. وَفِيهِ تَنْبِيهٌ عَلَى الأَصْلِ الَّذِي هُوَ دَيْنُ الآدَمِيِّ عَلَى الْمَيِّتِ، وَالْفَرْعِ وَهُوَ الْحَجُّ الْوَاجِبُ عَلَيْهِ، وَالْعِلَّةِ وَهُوَ قَضَاءُ دَيْنِ الْمَيِّتِ، فَقَدْ جَمَعَ فِيهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَرْكَانَ الْقِيَاسِ كُلَّهَا} وهو كذلك.
القياس حقٌ وهو ثابتٌ ولا إشكال فيه، وأجمع الصحابة عليه، ولكن الغلو في القياس هو الذي يُنكَر.
إذًا: هذه المسألة نوعٌ من أنواع دلالة الإيماء (تَقْدِيرُ الشَّارِعِ وَصْفًا) أن يقدِّر يعني: لا ينطق بعين الوصف وإنما يُفهَم من الكلام.
(لَوْ لَمْ يَكُنْ لِلتَّعْلِيلِ كَانَ بَعِيدًا لا فَائِدَةَ فِيهِ إمَّا فِي السُّؤَالِ أَوْ فِي نَظِيرِ مَحَلِّهِ) .
"في السؤال"يعني: أن يستنطق السائل عن الواقعة بأمرٍ ظاهر الوجود ثم يذكر الحكم عقبه، من الذي يستنطق؟ النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يعني: يستفصل من السائل، ثم يرتِّب الحكم.
دل على أن سؤال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هو عِلَّة الحكم، ونظيره واضحٌ بيّن.
قال: (وَمِنْهَا) .
{أَيْ وَمِنْ أَنْوَاعِ الإِيمَاءِ أَيْضًا تَفْرِيقُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنَ حُكْمَيْنِ} يعني: بين شيئين في الحكم {بِصِفَةٍ مَعَ ذِكْرِهِمَا أَيْ ذِكْرِ الْحُكْمَيْنِ} .
يفرِّق بين شيئين في حكمين ويذكر الصفة، دل على أن هذا الحكم ما عُلِّق بصفة إلا لكونه مغايرًا للحكم السابق .. للحكم الآخر، وما عُلِّق عليه الحكم الآخر إلا لكونه مغايرًا للحكم السابق .. وهكذا.
{تَفْرِيقُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنَ حُكْمَيْنِ} يعني: بين شيئين في الحكم {بِصِفَةٍ مَعَ ذِكْرِهِمَا أَيْ ذِكْرِ الْحُكْمَيْنِ} .
إما بذكر صفة فاصلة فهو تنبيهٌ على أن الوصف الفاصل هو الموجب للحكم الذي عُرِف به المفارقة، ثم تارة يذكر القسمين وتارة يذكر أحد القسمين.
إما القسمين كقوله: (لِلرَّاجِلِ سَهْمٌ وَلِلْفَارِسِ سَهْمَانِ) .