على كلٍ: الكل قائلٌ به أنه يفيد العلِّيِّة، لكن الخلاف هنا لفظي: هل هو داخلٌ في الإيماء .. في الإشارة أو لا؟
{وَقِيلَ: مِنْ أَقْسَامِ الصَّرِيحِ} كما جعلها ابن الحاجب.
{وَقِيلَ: مِنْ أَقْسَامِ الظَّاهِرِ} .
قال هنا: {وَالصَّحِيحُ: أَنَّ هَذَا نَوْعٌ مِنْ الإِيمَاءِ} .
إذًا: رجَّح المصنف أنه من الإيماء.
قال هنا: لأن ترتيب الحكم على الوصف بحرف الفاء يفيد العلِّيِّة بوضع اللغة، ولم تضع العرب ذلك دالًا على مدلوله بالقطع والصراحة بل بالإيماء والتنبيه، وإنما يجعله صريحًا لتخلُّفه في بعض محاله عن أن يكون إيماءً وهو حيث تكون الفاء بمعنى الواو فكانت دلالته أضعف.
ويمكن جعلُه مع الظاهر؛ لأنا جعلنا اللام من الظاهر، لأنها محتمل المعنيين يعني: تأتي في موضعٍ لمعنى وتأتي في موضعٍ للتعليل وهي أظهر في التعليل.
وإذا كانت الفاء قد تأتي للتعقيب فقط دون السببية وهو لغة، وقد تأتي كذلك بمعنى الواو وعاطفة ومجردة لا للتعقيب ولا السببية.
إذًا: صار استعماله استعمال اللام، على كلٍ: جعلها المصنف هنا من الإيماء، ولو جُعلت من الظاهر لا إشكال فيه.
قال: (وَتَرَتُّبُ حُكْمٍ عَلَى وَصْفٍ بِصِيغَةِ الْجَزَاءِ) .
يعني: مِنْ أَنْوَاعِ الإِيمَاءِ التي تدل على أن الوصف المذكور أو المستنبط عِلَّة للحكم المذكور، متى؟
قال: (تَرَتُّبُ حُكْمٍ عَلَى وَصْفٍ بِصِيغَةِ الْجَزَاءِ) هذا يدل على التعليل.
{نَحْوُ قَوْله تَعَالَى: (( مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ ) )} .
"يضاعف"هذا حكم، والإتيان بالفاحشة هذا فعل الشرط، رُتِّب عليه الجزاء، دل على عِلِّيِّته.
{وقَوْله تَعَالَى: (( وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ وَتَعْمَلْ صَالِحًا نُؤْتِهَا ) )} هذا حكمٌ (( أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ ) ).
وقَوْله تَعَالَى: (( وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا ) )أَيْ لِتَقْوَاهُ.
إذا رُتِّب هنا حكمٌ على وصفٍ بصيغة الجزاء، فدل على أنه عِلَّةٌ له.
{وَقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَنْ اتَّخَذَ كَلْبًا -إلاَّ كَلْبَ صَيْدٍ أَوْ مَاشِيَةٍ- نَقَصَ مِنْ أَجْرِهِ كُلَّ يَوْمٍ قِيرَاطَانِ} إذًا: النقص بسبب اتخاذ الكلب وهو عِلّة له.
{فَإِنَّ الْجَزَاءَ يَتَعَقَّبُ شَرْطَهُ وَيُلازِمُهُ، وَلا مَعْنَى لِلسَّبَبِ إلاَّ مَا يَسْتَعْقِبُ الْحُكْمَ وَيُوجَدُ بِوُجُودِهِ} .
إذًا: هذا فيه معنى السببية الجزاء المرتب على الشرط فيه معنى السببية، بمعنى أنه لولا هذا الوصف لما رُتِّب عليه الجزاء. لو لم"من اتخذ كلبًا"لما نقص الأجر. وهكذا.
{وَمِنْ أَنْوَاعِهِ أَيْضًا} أنواع الإيماء:
(ذِكْرُ حُكْمٍ جَوَابًا لِسُؤَالٍ) يعني: عندنا سؤال ويقع في الجواب حُكمٌ، ثم يرتَّب على وصفٍ، لولا أن هذا الوصف له أثرٌ في الحكم لكان حشوًا كالسابق فيما مر معنا (ذِكْرُ حُكْمٍ جَوَابًا لِسُؤَالٍ لَوْ لَمْ يَكُنْ عِلَّتَهُ كَانَ اقْتِرَانُهُ بِهِ بَعِيدًا شَرْعًا وَلُغَةً وَلَتَأَخَّرَ الْبَيَانُ) .
يعني: لولا كان السؤال علته يعني: عِلَّة لهذا الحكم.