{بِخِلاَفِ قَوْلِهِ: هَذَا مَنْسُوخٌ وَنَحْوُهُ. وَلِهَذَا لَوْ قَالَ: أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِكَذَا، أَوْ نَهَى عَنْ كَذَا: يُعْمَلُ بِهِ؛ حَمْلًا عَلَى الرَّفْعِ، لا عَلَى الاجْتِهَادِ} .
كله أمرٌ واحد؛ لأنه نقلٌ للغة ونقلٌ لفعل النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فما فهمه الصحابي من قول النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وعبّر بتعبيره فالأصل حمله على التشريع ولا نطعن فيه.
وما فهمه صحابي من فعل النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ونقله على أنه تشريع، حينئذٍ نقول: هذا يُعمل به ولا فرق بينها البتة، سواءٌ قال: أمر النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أو قال: سها فسجد، أو قال: هذه الآية منسوخة أو هذا الحديث منسوخ.
الصحابة في مثل هذه حجة ولا إشكال فيه.
نعم لو نقَل النص ثم خالفه، حينئذٍ لنا طريقان -يعني: النظر-: إن كان قول الصحابي تفسيرًا للفظٍ أو لواقعة أو لحالٍ فهو حجة، إن عاد باللفظ إلى التفسير، وإن كان لا وإنما هو بحثٌ في الحكم فحينئذٍ نظرْنا: إن خُولف فالمسألة خلافية، وإن لم يكن ثم خلاف فحينئذٍ يُعد إجماعًا سكوتيًا؛ لأن قول الصحابي إذا لم يخالَف فحينئذٍ يعتبر إجماعًا.
إلا إذا قلنا بأنه مخالفٌ لظاهر النص -هذه مسألة أخرى-، وأما إن وقع تفسيرًا للفظ الذي رواه صحابيٌ وكان المؤدَّى إما واقعة كتفسير مثلًا إسبال أو نحوه، أو ما مر معنا في الفقه: ويُكره الاشتمال -اشتمال الصماء- ونحوها، إذا فسَّره الصحابي نقول: هذا تفسيرٌ يعتبر مردُّه إلى اللغة فهو حجة فيه، وإذا كان مجرد استنباط من النص فحينئذٍ يُنظر فيه من جهة ما خالفه غيره، وهل هو مخالفٌ للنص أو لا.
على كلٍ: ما ذكر المصنف هنا بين هذه العبارات الثلاث: سها فسجد .. أمر ونهى. هذه الآية منسوخة وهذا الحديث منسوخ .. كلها من وادٍ واحد والصواب أنها تُقبل، وقول الصحابي فيها حجة.
قال: {إذَا عُلِمَ ذَلِكَ: فَإِذَا رَتَّبَ الشَّارِعُ حُكْمًا عَقِبَ وَصْفٍ بِالْفَاءِ، إذْ الْفَاءُ لِلتَّعْقِيبِ، فَتُفِيدُ تَعْقِيبَ حُكْمِ الْوَصْفِ، وَأَنَّهُ سَبَبُهُ؛ إذْ السَّبَبُ مَا ثَبَتَ الْحُكْمُ عَقِبَهُ. وَلِهَذَا تُفْهَمُ السَّبَبِيَّةُ مَعَ عَدَمِ الْمُنَاسَبَةِ كقوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: } .
ليس فيه مناسبة .. غير معقول المعنى، ومع ذلك دل على السببية، ومر معنا أنه لا يُشترَط في السببية المناسبة، فالسبب قد يكون المعنى فيه مناسب وقد يكون غير مناسب بخلاف العلة. هذا إذا اجتمعا.
إذًا: {إِذَا رَتَّبَ الشَّارِعُ حُكْمًا عَقِبَ وَصْفٍ بِالْفَاءِ} حينئذٍ استفدنا من هذا التعقيب: أن عِلَّة الحكم المذكور هو الوصف المذكور، سواءٌ كان بين الحكم والوصف مناسبة أو لا، مناسبة كالسابق: (( وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا ) )لا شك أن بينهما مناسبة.
وغير مناسبة مثل: غير ظاهرة.
قال: {وَالصَّحِيحُ: أَنَّ هَذَا نَوْعٌ مِنْ الإِيمَاءِ} .
وعليه في جمع الجوامع، يعني: اختُلف في هذا النوع: هل هو من الإيماء أو لا؟