فهرس الكتاب

الصفحة 1511 من 1890

قال: {إذَا قَالَ الرَّاوِي: هَذَا الْحَدِيثُ مَنْسُوخٌ} ! رجَّح المصنف أنه لا يُلتفت إليه، مر معنا هذا: أن الصحابي إذا قال: هذه الآية منسوخة فلا يُلتفت إليه؛ لاحتمال الاجتهاد، فإذا احتمل الاجتهاد فالاجتهاد حينئذٍ صوابٌ وخطأ، إذًا: تطرق الاحتمال إلى النقل فلا يُعتبر حجة. وقلنا هذا فاسد، بل الصواب أنه إذا قال الصحابي: هذه الآية منسوخة، أو هذا الحديث منسوخ ولم يكن ثَم خلافٌ حينئذٍ يعتبر عمدة؛ لأنه ما نَقَل إلا كما نقَل قوله: سها فسجد. لماذا نفرِّق، وهذا اجتهادٌ وهذا اجتهاد؟

قطعًا لم يقُل النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: سها فسجد، لكنه لفظ الصحابي.

إذًا: حكى لنا فعل واستنبط من فعل النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وهو حكمٌ شرعي فقبلناه، لماذا لا نقبل أن هذه الآية منسوخة من قول الصحابي، وهذا الحديث منسوخ؟ على كلٍ الصواب: أن الأمر واحد، لكن على كلام المصنف جاء اعتراض: كيف ردَدْته فيما سبق بأنه إذا قال: هذا الحديث منسوخ، أو هذه الآية منسوخة؛ لاحتمال الاجتهاد، وهنا قبِلته؟

قال: {فَإِنْ قِيلَ: إذَا قَالَ الرَّاوِي: هَذَا الْحَدِيثُ مَنْسُوخٌ! أَوْ حَمَلَ حَدِيثًا رَوَاهُ عَلَى غَيْرِ ظَاهِرِهِ، لا يُعْمَلُ بِهِ؛ لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ عَنْ اجْتِهَادٍ. فَكَيْفَ إذَا قَالَ لِلرَّاوِي سَهَا فَسَجَدَ وَنَحْوُهُ يُعْمَلُ بِهِ، مَعَ احْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ عَنْ اجْتِهَادٍ؟!} .

الجواب: لا بد أن يجيب .. كل من فرَّق بين متماثلين لا بد أن يبحث عن جوابٍ يكون عِلَّة له، ونحن لا جواب لكن على ما أراده.

{فَالْجَوَابُ: أَنَّ هَذَا مِنْ قَبِيلِ فَهْمِ الأَلْفَاظِ مِنْ حَيْثُ اللُّغَةُ، لا أَنَّهُ يَرْجِعُ لِلاجْتِهَادِ، بِخِلافِ قَوْلِهِ: هَذَا مَنْسُوخٌ} .

كيف نقول: سها فسجد؟ سجد النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، يحتمل أنه زيادة تشريع، ويحتمل أنه لا للسهو .. لأي عِلَّة أخرى، لا بد أن يستفصل من النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وإنما نظر في حاله بأنه سها فحينئذٍ رتَّب شيئًا جديدًا في الصلاة وهو السجود، ففهم الصحابي باجتهاده أن عِلَّة هذا السجود هو هذا السهو، لم ينطق النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أني كذا كذا، وإنما فهم الصحابي.

إذًا: كله اجتهاد .. هذا اجتهاد وهذا اجتهاد، وأما قوله: إن هذا من قبيل فهم الألفاظ من حيث اللغة لا، هو لم ينقُل عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لفظًا وغيَّره .. زاد فيه أو نقص فنقول من فهم اللغة العربية فهُم حجة في ذلك لا، وإنما نظر إلى فعل النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: السهو والسجود فعلان، ونظر إليهما الصحابي ففهم الربط بينهما ونقل إلينا باجتهاده هو، وعبّر تعبيرًا لم ينطق به النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.

إذًا: قوله بأنه من قبيل فهم الألفاظ من حيث اللغة لا يسلَّم له، بل هو اجتهادٌ ولا فرق بينه وبين قوله: هذا الحديث منسوخ أو هذه الآية منسوخة.

{لا أَنَّهُ يَرْجِعُ لِلاجْتِهَادِ} بل الصواب أنه يرجع للاجتهاد في الموضعين، والتفريق إنما هو تفريقٌ بين متماثلين.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت