ثانيًا: أن تدخل على الحكم في كلام الشارع كالآيات السابقة، والثاني أقوى من الأول.
قال: {وَتَارَةً تَأْتِي الْفَاءُ فِي غَيْرِ كَلامِ الشَّارِعِ} يعني به الراوي، وينبغي حصره في الصحابي، لكنهم عمَّموا الحكم.
قول الصحابي {كَقَوْلِ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: } .
سها فسجد، الحكم ما هو؟ السجود، والوصف السابق وهو السهو.
هل هو علّة له أم لا؟ هذا محل نزاع ومر معنا، لكن الصواب أنه عِلَّة؛ لأن الصحابي ما أخبر بهذه الفاء التي هي ظاهرة في التعقيب والسببية إلا لأجل أنه فهم -وفهمه حجة هنا- أنَّ سبب السجود هو السهو، ولذلك رتَّب عليه بالفاء.
وكذلك: {زَنَى مَاعِزٌ فَرُجِمَ} .
دل على أن الزنا عِلَّة للرجم.
{وَلا فَرْقَ فِي الْعَمَلِ بِذَلِكَ بَيْنَ كَوْنِ الرَّاوِي صَحَابِيًّا أَوْ فَقِيهًا أَوْ غَيْرَهُمَا} .
الصحابي هو الذي يُقتصر عليه في النقل؛ لأن الكلام هنا في الشارع، نحن لا نستنبط العلل المستنبطة ولا الأحكام المستنبطة من كلام غير الشارع، وإنما المراد الأحكام الشرعية المرتبطة بالأوصاف الشرعية، وهذا إنما يكون في الكتاب والسنة، ثم النظر فيما حكاه الصحابي من وقائع ونحوها. وأما ما عدا الصحابي فالأصل فيه أنه كغيره يعني: لا يُلتفت إليه.
قال: {وَلا فَرْقَ فِي الْعَمَلِ بِذَلِكَ بَيْنَ كَوْنِ الرَّاوِي صَحَابِيًّا أَوْ فَقِيهًا أَوْ غَيْرَهُمَا، لَكِنْ إذَا كَانَ صَحَابِيًّا فَقِيهًا كَانَ أَقْوَى} يعني: ممن ليس بفقيه.
يعني: الصحابة ليسوا على مرتبة واحدة، وهذا محل وفاق.
فالملازِم للنبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أو الذي يُعدُّ من فقهاء الصحابة، إذا حكى القول بالفاء ليس كأعرابيٍّ يأتي مرة ويذهب ثم يحكي بالفاء.
حينئذٍ هذا هو حجة في اللغة، لكن لو حصل تعارض بين صحابيٍ فقيه وبين صحابيٍ آخر، ولم نجد من المرجِّحات إلا أن ننظر بينهما قوة وضعفًا، لا شك أننا نُرجِّح ما ذكره الصحابي الفقيه على غيره، لكن هذا مجرد تصوير مسألة وإلا لا وجود له.
إذًا: {لَكِنْ إذَا كَانَ صَحَابِيًّا فَقِيهًا كَانَ أَقْوَى} يعني: ممن ليس بفقيه.
كما أن الفاء في كلام الشارع أقوى دلالة على العلِّيِّة منه في كلام الراوي. وهو كذلك.
الفاء تدل على العلِّيِّة في كلام الشارع وفي كلام الصحابي أيهما أقوى؟ الشارع؛ لأنه مصدر للتشريع، والراوي وإن كان حملناه على ظاهره وهو أنه حجة لكنه محتمِل بخلاف الكتاب والسنة.
منه في كلام الراوي؛ لتطرق احتمال الخطأ إليه، فما رتّبه الراوي الفقيه بالفاء مقدمٌ على ما رتبه بها الراوي غير الفقيه. هذا كمسألة.
فإن قيل. جاء اعتراض.
هنا قبلنا قول الصحابي: سها فسجد؛ على أنه عِلَّة، وزنى ماعزٌ فرُجِم على أنه عِلَّة، ومعلومٌ أن هذه أوصاف شرعية، ويترتب عليها أحكام شرعية.