لأنه لا معنى لكون الوصف عِلَّة إلا ما ثبت الحكم عقبه وترتب عليه، وإنما لم تكن صريحًا لأنها قد ترد بمعنى الواو، وهو كذلك، تأتي عاطفة .. مجردة فقط.
وقد تجيء للتعقيب من غير عِلَّة.
إذًا: الفاء قد تأتي للتعقيب مع العلة -مع السببية-، وقد تأتي للعطف فقط وهو بمعنى الواو، وقد تأتي للتعقيب فقط.
إذًا: لم تكن صريحًا لهذا المعنى.
{نَحْوُ قَوْله تَعَالَى: (( قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا ) )} إذًا: الفاء جاءت بعد وصفٍ، وجاء بعدها الحكم فاعتزلوا وهو أمرٌ يقتضي الإيجاب، ما عِلَّةُ هذا الحكم؟ وجود الأذى أو الدم.
حينئذٍ نقول: (( قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا ) )هنا حصل اقتران بين وصفٍ وبين حُكْمٍ، جاء بينهما الفاء وهي دالة على التعقيب وأفادت السببية، دل ذلك على أن سبب الأمر بالاعتزال هو وجود هذا الأذى.
{وقَوْله تَعَالَى: (( وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا ) )} كذلك، {وقَوْله تَعَالَى: (( الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا ) )} هذه كلها جاءت الأوامر هنا بعد الفاء، وهي تفيد التعقيب -يعني: ظاهرة في التعقيب-، وكذلك تفيد السببية وهي نوعٌ من أنواع دلالة الإيماء: أن يأتي الوصف ثم يأتي الحكم معقَّبًا بعده بالفاء.
قال هنا: (تَرَتُّبُ حُكْمٍ) يعني: وجود حكمٍ (عَقِبَ وَصْفٍ بِالْفَاءِ) إذًا: يتقدم الوصف ثم تأتي الفاء، ثم يأتي الحكم.
(مِنْ كَلَامِ الشَّارِعِ وَغَيْرِهِ) .
{وَنَحْوَ قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْمُحْرِمِ الَّذِي وَقَصَتْهُ رَاحِلَتُهُ} ما هو القول؟ .
هذه أشار إليها فيما سبق."إنَّ"وإذا دخلت عليها الفاء صارت آكد، لكنها صالحة هنا وهناك.
{فَالْفَاءُ فِي الآيَاتِ دَاخِلَةٌ عَلَى الْحُكْمِ} الاعتزال، والقطع، والجلد {وَفِي الْحَدِيثِ دَاخِلَةٌ عَلَى الْعِلَّةِ} وهي بعثه ملبيًا .
{وَالْحُكْمُ مُتَقَدِّمٌ} يعني: الحديث هنا خالف ما كان أصلًا فيما رتبه المصنف، وهذا لعله والله أعلم أنه يشترك فيه الأمران وهو دلالته السابقة"إنَّ"مع وجود الفاء وهنا المراد بها الفاء فقط، حينئذٍ إذا كانت الفاء فقط فالأصل ما قدَّمه المصنف وهو: تَرَتُّبُ حُكْمٍ عَقِبَ وَصْفٍ بِالْفَاءِ.
فإن وُجد شيءٌ آخر كإنَّ ودخلت عليها الفاء، فحينئذٍ قد يتقدم الحكم على الوصف.
قال هنا: {وَفِي الْحَدِيثِ دَاخِلَةٌ عَلَى الْعِلَّةِ} وهي بعثه ملبيًا {وَالْحُكْمُ مُتَقَدِّمٌ} .
{وَتَقَدُّمُ الْعِلَّةِ ثُمَّ مَجِيءُ الْحُكْمِ بِالْفَاءِ أَقْوَى مِنْ عَكْسِهِ} وهو كذلك، ولذلك قدَّمه في الأصل: أنَّ دلالة الإيماء من أنواعها وهو أقوى ما قدَّمه هنا أن يأتي الوصف أولًا، ثم تأتي الفاء ثم يأتي الحكم، قد يأتي العكس لكنه ليس هو الأصل المطرد في هذا المقام.
{وَتَقَدُّمُ الْعِلَّةِ ثُمَّ مَجِيءُ الْحُكْمِ بِالْفَاءِ أَقْوَى مِنْ عَكْسِهِ} وهو تقدم الحكم ثم تأتي العلة.
فحينئذٍ فهي ضربان: أن تدخل الفاء على العلة، فيكون الحكم مقدَّمًا كالحديث.