حينئذٍ في هذا الموضع انظر التناقض الذي يحصل بين المتكلمين وبين أرباب البدع، يأتون يقررون مسائل على وجهها، كأنك تعجب من حالهم ومن ضبطهم لهذه المسائل، وإذا جاء في باب المعتقد قالوا: لا. أفعال الله لا تُعلَّل، وسبق كلام المصنف أنها لا تُعلل، وهنا يقول: ما وُضع لإفادة التعليل، كيف وُضع وقد جاء في الكتاب والسنة؟
يقول: لعلةٍ (( مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إسْرَائِيلَ ) )كلام من هذا، كلام الرازي أو الغزالي أو الجويني؟ هذا كلام الله عز وجل، وإذا قيل: من أجل ذلك أنه وُضع للدلالة على التعليل، فكيف تعدِل عنه؟
إذًا: عدَل عنه لأي شيء، لدليل شرعي؟ لا، وإنما لأدلة عقلية زعموا أنها أدلة وليست بأدلة.
فليُنتبَه لذلك التناقض الذي يحصل عند المتكلمين، وإذا جاءوا في باب المعتقد حينئذٍ أتوا بالعجب.
قال هنا: (وَمِنْهُ صَرِيحٌ) أي: {مَا وُضِعَ لإِفَادَةِ التَّعْلِيلِ} .
يعني: يدل بالوضع بلسان العرب .. هكذا وُضع بلسان العرب، وجاء استعماله في القرآن، فدل على أنه علةٌ.
{بِحَيْثُ لا يَحْتَمِلُ غَيْرَ الْعِلَّةِ} .
من أمثلة ذلك. يعني الصريح له ألفاظ.
(كَلِعِلَّةِ) يعني: لو جاء لعلة كذا، لم يأت لكن لو جاء، حينئذٍ إذا صرَّح بالعلة فحينئذٍ جاء بالأصل، وإذا قال: هذا الحُكم لعلة كذا حكمنا بأن التعليل هنا نصًا صريحًا وليس بظاهرٍ.
(أَوْ سَبَبِ كَذَا) لعلة كذا أَوْ سَبَبِ كذا، ومر معنا أن السبب بمعنى العلة، حينئذٍ جاء باللفظ وجاء بمرادفه.
(أَوْ أَجْلِ كَذَا أَوْ مِنْ أَجْلِ كَذَا) كل ذلك يدل على العلِّيِّة صراحة يعني: لا يحتمل إلا ظاهر اللفظ.
{نَحْوُ قَوْله تَعَالَى: (( مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إسْرَائِيلَ ) )} كتبنا نحن أي: الباري جل وعلا، فعلَّل كتابته بماذا؟ (( مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ ) )يعني: ما سبق.
فالتنصيص هنا على العلِّيِّة أُخذ من لفظ (( مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ ) )لماذا؟ لأنه هكذا وُضع في لسان العرب، يدل على أن ما قبله علة لم بعده، فالكتابة معلولة والعلة سابقة. إذًا:"كتبنا"هذا فعلٌ من أفعال الباري جل وعلا، ودل النص الصريح باتفاق أرباب المتكلمين وغيرهم بأنه وُضع في لسان العرب للدلالة على التعليل، فحينئذٍ الأصل هو حمل ظاهر القرآن على ظاهره.
وَقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: مُتَّفَقٌ عَلَيْه.
وَقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
أَيْ: لأَجْلِ التَّوْسِعَةِ عَلَى الطَّائِفَةِ الَّتِي قَدِمَتْ الْمَدِينَةَ أَيَّامَ التَّشْرِيقِ.
وَالدَّافَّةُ: الْقَافِلَةُ السَّائِرَةُ.
إذًا: هذه ألفاظٌ صريحة تدل على التعليل.
قال هنا: (أَوْ كَيْ) يعني: أو لفظ كي.
ومعلومٌ أن كي عند النحاة هذه الأصل فيها أنها للتعليل.
{كَيْ يَكُونَ كَذَا، سَوَاءٌ كَانَتْ مُجَرَّدَةً مِنْ لاَ نَحْوَ قَوْله تَعَالَى: (( كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلا تَحْزَنَ ) )} فكي للتعليل وهي نصٌ.