فهرس الكتاب

الصفحة 1500 من 1890

إذًا: فرَّقوا بين عقيدتين، فأثبتوا للصحابة عقيدة ثم نفوها واعتمدوا غيرها، حينئذٍ نقول: هذه مخالفة واضحة بيّنة. إذًا يُنتبه لهذا الموضع.

لأنهم يصرحون هنا في هذا الباب بأن ثَم صريحٌ يدل على العلِّيِّة، وإذا جاءوا في باب المعتقد قالوا: العقل مقدم على النقل، ولا يلتفتون إلى مثل هذه الأشياء. وهذا خلل كبير يُخل بالشهادتين.

إذا قال: بأن العقل مقدمٌ على النقل، كيف مقدم على النقل؟ هذا كمن يقول: حكم الله تعالى يؤخذ في المساجد ولا يؤخذ في السياسة ونحوها.

وحينئذٍ التفريق بين أحكام الله عز وجل نقول: هذا ليس من شأن المسلم، وهذا مصادم لأصل لا إله إلا الله؛ لأن الإله هو المعبود المطاع كما قال شيخ الإسلام، ولو قيل: المعبود فقط فيلزم منه أن يكون مطاعًا، فلا إشكال في الوصف المقيِّد.

المعبود المطاع يقتضي ماذا؟ يقتضي الطاعة المطلقة، حينئذٍ إذا فصَّل بين شيءٍ يقبله من الباري وشيء لا يقبله من الباري، حينئذٍ نقول: (( أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ ) ) [البقرة:85] هذا قياس جلي، هذا قياس بنفي الفارق.

ما الفرق بين الكفار الذين آمنوا ببعض الكتاب وكفروا ببعض، وبين من يقول: نأخذ العقيدة من العقل وهو مقدمٌ على النقل، وما جاءت من أحكام شرعية ومثل هذه .. حينئذٍ يُنظر في لسان العرب ويُحقق المسألة، ويُنظر وإلى آخره، وإذا جاء بيتٌ وشاهدٌ قالوا: هذا لا أصل له، هذا مكذوبٌ، هذا موضوع، هذا لا يوجد في ديوانه .. وإذا جاءوا في مسائل المعتقد تمسكوا بأدنى الشبه وردوا بها مذهب السلف، هذا يدل على أن المسألة مبنية على الهوى، وليس معهم دليل ولا شبهة دليل.

ولا ينبغي بل لا يجوز لمن اعتقد عقيدة السلف أن يجعل الخلاف هنا لكونهم قد نصبوا أدلة. هذا غلط؛ لأننا نقول: عقيدة السلف أدلته قطعية في الأصول. يعني: نصوص لا تحتمل غير الظاهر سواء كان هو ظاهرًا في أصله لكنه بالتواطؤ صار نصًا، حينئذٍ قلت: عندهم شبهة، عندهم دليل. حينئذٍ تنازلت عن حقٍ وهو أنك سوَّغت أن أصل المسألة يمكن يكون فيها خلاف، وهذا يُنتبه له، ولا يقول بأن عندهم أدلة أبدًا، وإنما يقول: عندهم شُبه وعندهم مستمسَك غير الكتاب والسنة.

ناهيك عن أنهم يصرِّحون بذلك، يقولون: العقيدة لا تُقبل إلا بالقطع ولا يُقبل فيها الظن، ثم النقل كلُّه من أوله إلى آخره كتابًا وسنة لا يفيد القطع.

إذًا: هل هذا تحكيمٌ للشرع؟ ألا يدخل في قوله تعالى: (( وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ ) ) [المائدة:44] ؟ ألا يدخل في قوله تعالى: (( فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ ) ) [النساء:65] ؟

هل تحكيم الشرع يدخل فيه فقط الطهارة والصلاة والصوم، وإن كانت هذه أصل كذلك، ولا يُتساهل فيها بأن المرجع فيها الشرع، والعقيدة أهم من ذلك.

حينئذٍ كيف نعدل عن الكتاب والسنة ونأتي إلى العقل ونجعله حاكمًا على النقل، ونقول: هذا تعارضا فقُدِّم العقل. العقل الصريح، والعقل القاطع .. إلى آخر الأدلة التي تمسكوا بها؟

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت